Category: اجتماعي

كيف يحرم الإهمال الحكومي الطلاب (الصم) من مواصلة تعليمهم وتحقيق طموحاتهم؟

"أريد التعبير عما تعنيه لي المساهمة في لفت الانتباه للصم وأصحاب الإعاقات المبدعين، الذين لا تُسمع أصواتهم عادةَ، ولا تلقى مواهبهم ما تستحقه من الاهتمام".

هكذا عبّرت التشكيلية والحرفية السودانية، أميمة مضوي، عن فخرها بنيل وسام (الإمبراطورية البريطانية) لجهودها في رعاية الأطفال الصم وذوي الإعاقة المبدعين في المملكة المتحدة.

 

وكانت مضوي قد منحت، في فبراير الماضي، رتبة (الإمبراطورية البريطانية)، ضمن قائمة المكرّمين لخدمتهم المجتمع المستحقة للتقدير، وذلك بعد حوالي 50 عاماً على هجرتها إلى المملكة المتحدة في عام 1979م. واليوم، تعد أميمة التي حصلت على درجة البكالوريوس في تصميم الأنسجة، من رائدات الأعمال في المملكة المتحدة، كما تنشط في رعاية المبدعين من الصم والبكم.

 

وصلت أميمة، التي أصيبت بالصمم في الرابعة من عمرها، إلى المملكة المتحدة وهي بعمر الثانية عشرة، بحثاً عن رعاية لا يوفرها بلدها الأم، وربما لو أنها لم تغادر البلاد لكان سقف أحلامها لا يتجاوز أحلام طلاب معهد الضياء والأمل للصم والبكم في عطبرة، بإعادتهم إلى المدرسة التي طردوا منها. 

 

حيث يجابه الصم والبكم، وغيرهم من ذوي الإعاقة في السودان، وضعاً يسلب حقوقهم الأساسية. ومع قلة الفرص الضئيلة المتاحة لهم، وقلة الاهتمام الذي يجدونه، كانت كل هذه العقبات لتحول دون بلوغ أميمة إلى ما وصلت إليه الآن، من نجاح مهني كبير ونيلها وسام ملكي مرموق. 

 

فبينما كان الملك البريطاني (تشارلز الثالث) يعلق وساماً رفيعاً على كتف أميمة، كان طلاب معهد الضياء والأمل للصُم والبكم في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل يعيشون حالة إحباط وحزن عميقين، بعدما اقتلعت منهم مدرستهم، لتستخدم كمدرسة متوسطة، وهو القرار الذي قذف بمستقبل عشرات الطلاب إلى المجهول.

تأسيس المدرسة

يقول رئيس اتحاد الصم بولاية نهر النيل، هشام ميرغني، لـ(بيم ريبورتس)، إن مدرسة الصم والبكم بعطبرة تأسست في العام 2015م، مشيراً إلى أنها آنذاك كانت مستضافة في كلية تنمية المجتمع بجامعة وادي النيل. 

ويضيف: “في نهاية العام نفسه، انتقلت المدرسة إلى مبنى كان يخص مدرسة متوسطة، جففت منذ إلغاء النظام المخلوع للمرحلة المتوسطة في سبتمبر 1990م. وظل الطلاب منذ ذلك الوقت هناك، يفصلهم حائط عن القاعة والمكتب الذي يخص اتحاد المكفوفين”.

وأوضح ميرغني، أن القائمين على أمر المعهد، ظلوا يعملون على لفت انتباه الجهات المختصة إلى ضرورة معالجة حالة المبنى المزرية، وغير الملائمة، التي لا تفي الحد الأدنى من متطلبات التي تسمح للطلاب بتلقي تعليمهم، وهو الأمر الذي يساهم في تسرب نسب كبيرة من الطلاب.

 إلا أنه وبالرغم من  الآمال الكبيرة التي بثها المسؤولون عبر وعود متكررة خلال زيارة الولاية على مر السنوات، والحديث لميرغني، لم يتم اتخاذ أي خطوات في صيانة أوضاع الطلاب الصم والبكم حتى نهاية العام 2022م. وأضاف قائلاً: “شرع صندوق تنمية ولاية نهر النيل في صيانة المبنى في نهاية العام 2022م، واستمرت الصيانة حتى يناير 2023”.

في المقابل، يقول أمين الشباب باتحاد الصم بعطبرة، والي الدين علي، في مقطع فيديو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي وهو محاط بالطلاب الذين بدا عليهم الحزن: “إننا مستاؤون جداً، التلاميذ ليس لهم مكان”. 

ويضيف: “كنا نوجد هنا قبل بدء صيانة المبنى، والآن انتهت الصيانة لكن الأبواب مغلقة، وعندما ذهبنا للمسؤولين أخبرونا بالبقاء في مبنى المكفوفين الذي لن يسع لنا ولهم” .

وحول الأحداث اللاحقة، يعود رئيس اتحاد الصم بعطبرة، ويقول إن القائمين على المدرسة، وأولياء الأمور لجأوا إلى إدارة التعليم الخاص بالولاية، التي أخبرتهم بأن ينتقلوا إلى مقر اتحاد المكفوفين، على أن ينتقل المكفوفون (المعاقون بصرياً) إلى أرض أخرى تعود إليهم، وهو الخيار الذي استنكره، موضحاً بأن الأرض التي يقصدها مدير التعليم خالية وغير مشيدة.

وأضاف: “نناشد نحن، وأولياء أمور هؤلاء الطلاب، وزير التعليم، وجميع المسؤولين، بألا تتجاهلوا حق هؤلاء الطلاب في التعليم، وفي توفير بيئة مدرسية جيدة مخصصة لهم، و تراعي احتياجاتهم”.  

جهود شعبية وإهمال حكومي مستمر

شهد العام 1970م، تتويج مجهودات أخصائي الأنف والأذن والحنجرة، طه أحمد طلعت، في إنشاء الجمعية القومية لرعاية الصم، بمجهودات ودعم أهلي، من أجل العمل على اكتشاف وتأهيل الصم وضعاف السمع، وتدريب معلمين وإنشاء معاهد لتعليم الصم. 

وبالرغم من أن مجهودات الجمعية، وعدد من أجسام المجتمع مدني الأخرى التي أولت القضية اهتماماً، إلا أن ضعف الدعم الحكومي ومؤسسات التعليم والرعاية الاجتماعية بالدولة ظل عائقاً أمام منح الصم والبكم في البلاد نصيبهم العادل في التعليم والتأهيل الذي يمكنهم من الحصول على مصادر دخل. وهو الأمر الذي أشارت إليه الباحثة الإجتماعية بمعاهد تعليم الصم، وئام فضل، في فبراير 2022م، في ورقتها البحثية تحت عنوان (إشكالية التسول عند مجموعة من الصم)، حيث وضحت فضل، أن الواقع الذي يعيشه الصم، من ضعف الاهتمام بتعليمهم، وقلة المعاهد والمدارس التي تستوعبهم، وضعف فرص المشروعات الإنتاجية المقدمة من الدولة للصم والتمييز السلبي فيها،  تتسبب في صعوبات بالنسبة لهم في القدرة على الحصول على فرص العمل. وأشارت أيضاً للعوائق الحكومية، وتقييد قبول الصم بكليات ومجالات معينة.

وأزمة الطلاب الصم والبكم بعطبرة الماثلة حالياً، لا تنفصل عن عقود طويلة من تجاهل وإهمال الأنظمة المتعاقبة على حكم السودان لحقوق ذوي الإعاقة. وحتى بعد مرور نحو 7 عقود على الاستقلال، لم تضع الدولة أية سياسات وطنية لحفظ حقوقهم، خاصةً في التعليم، الأمر الذي يضيف أعداداً كبيرة من الأطفال إلى إحصائيات الأمية والتجنيد والعنف، في بلد تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفل، أن واحد من كل ثلاثة أطفال فيها لا يذهبون للمدرسة.

بعيداً عن الزمن الكوشي.. (تهارقا العظيم) يصحو لوهلة وسط ضجيج أحفاده

في أمسية السبت الرابع عشر من يناير الماضي، يصحو الملك الكوشي العظيم تهارقا، لوهلة من الزمن، بعد أكثر من 2700 عام على ميلاده، ليجد أحفاده المفترضين غارقين في وحل اللادولة. سرعان ما عاد إلى نومته الأبدية، تاركاً إياهم في غمرة يأسهم، يحركونه ذات اليمين وذات الشمال.

ومع ذلك، حاول أحفاده المنهكين، القول إنهم ما يزالون يذكرونه. فوسط أجواء من الزغاريد والصافرات، وحضورٍ إعلامي كثيف، تم تحريك تمثال الملك الكوشي تهارقا إلى مكانه الجديد داخل المتحف القومي على مقربة من مقرن النيلين، بالعاصمة السودانية الخرطوم. 

“تهارقا يتحرك”، هكذا أعلنت منظمة الثقافة والتربية والعلوم التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو) عن عملية نقل التمثال للمرة الرابعة خلال ما يقارب الثلاثة آلاف سنة. وبحسب إفادة كبيرة أمناء متحف السودان القومي، إخلاص إلياس، لـ(بيم ريبورتس)، فإن التمثال تحرك لأول مرة من المعبد إلى متحف مروي، ومن ثم نُقِل إلى المتحف القومي في المرة الأولى، من مستقره في ستينيات القرن الماضي، ضمن عملية إنقاذ آثار النوبة إثر تشغيل بحيرة السد العالي.

تهارقا الذي تميز عصره بالعمارة والبناء، جرى تحريكه في مدينة لا تمتلك أي هوية معمارية، والبحث عن الجمال فيها مهمة شاقة تكاد تلامس المستحيل.

أيضاً، بالنسبة لنظام الحكم الذي ظل يتغير على مدار التاريخ، ليخاطب حاجات الشعوب المتغيرة، تجدر الإشارة إلى أن جمهورية أحفاده التي أنشأوها حديثاً ما تزال تبحث عن إرساء نظام حكم يقيها شرور التفكك والانحلال، انحلال الدولة.

أما بالنسبة للعسكر، فهم على عكس نظم جيشه الذي كان يقاتل خارج الحدود، يهجمون على الشعب في وضح النهار، تاركين قطعاً واسعة من الأرض تُقتطع بأيدي الجيوش الأجنبية، يوماً بعد يوم. 

تهارقا

في العام ٧٢٢ قبل الميلاد، ولد تهارقا (ابن الملك بعانخي) والذي سيصير خامس ملوك مملكة كوش، حيث امتدت فترة حكمه ما بين أعوام 690 – 664 ق.م. عُرف تهارقا كواحد من ضمن أعظم المقاتلين في التاريخ، كما أنه كان قائداً جسوراً، امتلك جيشاً مكنه من التوغل شمالاً ليصير حاكماً لمصر، ما جعله يعرف بملك الأرضيين، حيث كان ابن الأسرة الـ 25 التي حكمت مِصر.

يتصف عصر تهارقا بالاهتمام الكبير تجاه العمارة وتشييد المعابد، فشهدت فترة حكمه بناء الكثير من الآثار التاريخية، التي ضمنت له خلود اسمه كأشهر ملك من ملوك السودان القديم (مملكة نبتا) التي امتدت من القرن الثامن إلى القرن الرابع قبل الميلاد.

عملية النقل

كانت عملية النقل صعبة للغاية، وذلك بسبب ضيق مساحة الصالة” هكذا عبّر سائق عربة (الكرين) ، الفاتح إسماعيل، عن دوره في مهمة نقل التمثال. وأضاف إسماعيل، أنه برغم مشقة العملية، إلا أنه سعيد وفخور بكونه من ضمن من شاركوا في هذه المهمة التاريخية. وكان الملك قد حُرك عن طريق استخدام روافع، وأجريت عملية النقل تحت إشراف فريق عمل إيطالي متخصص.

وحظيت الفعالية باهتمام إعلامي عالمي ومحلي، لما يمثله الملك تهارقا للحضارة الإنسانية القديمة، وبفعاليات رسمية من سلاح الموسيقى السوداني الذي ألقى التحية على الملك لحظة جلوسه على عرشه الجديد، الذي تحفه عدد من التماثيل.

فقدان الآثار

وسط غياب الدولة ومسؤوليتها في حماية الآثار، بل ومشاركتها في جريمة تدمير الآثار عبر سياساتها وقوانينها فيما يخص منح تراخيص وأذونات تنقيب عن الذهب في الأماكن الأثرية، دون إجراء أي عمليات مسح أثري. 

كانت نتيجة ذلك هو أنه في ظل تنامي التنقيب عن الذهب والآثار، فإن عدداً من المواقع الأثرية في شمال السودان (ولايتي نهر النيل والشمالية) قد تعرضت للتخريب. فما بين 2000م إلى 2008م تعرض جبل البركل (موقع أثري في مدينة كريمة) لعدد من عمليات السرقة، الأمر الذي أدى إلى فقدان 50 تمثالاً، لتعاود ثلاثة من هذه التماثيل الظهور خلال مزاد علني بعاصمة إسبانيا، مدريد، في أكتوبر 2020م، وهي تماثيل تخص الملك تهارقا.

إهمال مؤسسي

لكن المواقع الأثرية لا تتعرض للتخريب فقط عن طريق منح وزارة المعادن رخصاً لشركات التنقيب، بل كذلك عبر التمدد السكاني والزراعي داخل المواقع الأثرية، هذا التمدد الذي باركته مؤسسات الدولة. ومثال لذلك، ما شهدته منطقة الكوة الأثرية، في مدينة دنقلا بالولاية الشمالية، حيث صادقت سلطات الولاية على تحويل جزء كبير من الموقع لأنشطة زراعية، وهو ما تسبب في التعدي على 80 فداناً من المنطقة الأثرية، التي ضرب عليها سوراً من حولها من أجل حماية مساحتها المقدرة  بـ 700 فدان، وتعتبر من المواقع الأثرية المهمة لاحتوائها على مدن و مدافن أثرية. 

السرقات لا تقتصر على المواقع الأثرية فقط، بل امتدت إلى المتحف القومي في العاصمة الخرطوم، حيث تعرض لعدد من السرقات في فترات مختلفة. والحادثة التي شهدها العام 1991م، والتي استغل فيها اللصوص فتحات التهوية من أجل الوصول إلى المتحف وسرقة تمثال ذهبي. لكن المتحف، الذي لم يكن يحتوي على كاميرات مراقبة وأجهزة الإنذار حينها، تعرض إلى السرقة مرة أخرى في العام 2003م، والتي كانت عملية سطو كبيرة، فقدت على إثرها 52 قطعة أثرية. حدثت خلال غياب القائمين على حراسة المتحف لتناول الشاي خلال شهر رمضان. لكن السلطات تمكنت من القبض على اللصوص واستعادة القطع المنهوبة.

وتبين هذه الحوادث الطريقة التي تتعامل بها السلطات في السودان مع ملف الآثار، وهي طريقة لا تستند على أي وعي تاريخي بأهمية الآثار، كما أنه خلال فترات مختلفة في تاريخ السودان، كانت الآثار تمنح من قبل الرؤساء إلى نظرائهم كهدايا وقروض طويلة الأجل في مراتٍ أخرى.

مبادرات مختلفة

وسط غياب رؤية الدولة تجاه الآثار وتاريخ البلاد، إلا أنه، على صعيد آخر، توجد مطالبات مستمرة من السودانيين والسودانيات بضرورة استرجاع آثار البلاد التي بدأت سرقتها منذ عصر الاحتلال التركي المصري، والتي تتوزع في عدداً من الدول والمتاحف الأوروبية. قبل أربع سنوات نشط هاشتاق أعيدوا مومياء أماني ريديس في وسائل التواصل الاجتماعي، والذي ناقش فيه المتفاعلون قضية الآثار السودانية في الدول الغربية. وفي حين طالب كثيرُ من الناس بضرورة عودة الآثار إلى السودان باعتبارها ملك للتاريخ السوداني، رأى آخرون أن تبقى الآثار محفوظة بالخارج، في ظل عدم اهتمام داخلي قد يؤدي إلى فقدانها للأبد.

برغم حالة الاحتفاء التي صاحبت تحريك الملك تهارقا، والاحتفاء اللحظي بالحركة نفسها، إلا أن سؤال كيفية التعاطي مع الآثار في السودان، وعدم التنظيم البائن الذي صاحب فعالية نقل الملك، تشي تماماً بحالة الفوضى التي يعيشها السودان اليوم، والتي لا تتجسد في الحالة السياسية والاجتماعية فقط، وإنما تجسدت بشكل أكثر وضوحاً في الطريقة العشوائية التي حرك بها، وكأن من يُحرك، ليس أحد أبرز رموز البلاد.

سياسات فاشلة لعقود.. كيف حوّلت الأزمات المتضافرة التعليم المدرسي إلى امتياز طبقي؟

أية السماني

أية السماني

في حال استمرت الوزارة والحكومة في تجاهل الإغلاق الحالي سأتوجه مع زميلاتي نحو تجميد العام الدراسي.. لن يكون الوقت كافياً لإكمال المقررات والدراسة وامتحانات الشهادة على الأبواب”، توضح كلمات الطالبة، ميس أحمد التي تدرس بمدرسة الحارة 12 بأمدرمان الثورة،  حال عدد كبير من الطلاب مع الظروف الدراسية المتعثرة، وكم يبدو مستقبلهم على المحك.

وميس التي تساورها شكوك جدية حول قدرتها وعدد من زميلاتها في الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية بعد أشهر معدودة، بعدما قضين الفترة الماضية في ظل عدم استقرار دراسي. رأت في حديثها لـ(بيم ريبورتس)، إن الإغلاقات المتتالية خلال الأعوام الماضية، لأسباب كثيرة، أثرت بشكل مباشر على مستواها الاكاديمي، مشيرة إلى أن التوقف المستمر كان خصماً عليها بشكل ملاحظ. 

في المقابل، يواصل آلاف الطلاب بالمدارس الخاصة والعالمية عامهم الدراسي بشكل طبيعي، خاصةً وأن المشكلة التي يواجهها قطاع التعليم في الوقت الحالي لا تمس المدارس الخاصة ومعلميها بشكل مباشر.

أزمات مستمرة

الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد والأطراف المنخرطة فيها، لا تعبأ كثيراً بالعواقب، والتي تجلت بشكل واضح في قطاع التعليم المدرسي العام، والذي يدفع ثمنه آلاف الطلاب.

فبعد انقلاب 25 أكتوبر، عاد أعضاء النظام المخلوع، إلى وزارة التربية والتعليم، وأدت سياساتهم إلى خلق صراعات في أوساط المعلمين المطالبين بتحسين أوضاعهم من خلال إضرابات بدأوها منذ أكتوبر الماضي.

وفي خضم هذا الحراك المطلبي للمعلمين، أصدرت وزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم، في خطوة مفاجئة، قراراً قضي بتغيير التقويم الدراسي، حيث أعلنت تقديم عطلة منتصف العام، بدأت في 10 يناير وانتهت في أواخر الشهر نفسه.

سلسلة إضرابات

نظمت لجنة المعلمين السودانيين إضراباً، ضمن سلسلة إضرابات شملت جميع القطاعات المهنية في السودان، عقب انقلاب قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر 2021م.

 ومع ذلك، جاء الإضراب على خلفية مطالب بزيادة في الحد الأدنى للأجور وزيادة الإنفاق على قطاع التعليم في موازنة العام 2023 وإقالة الوزير الحالي للتربية والتعليم، محمود سر الختم الحوري. 

بدأ المعلمون إضرابهم  تدريجياً وسط تجاهل حكومة الأمر الواقع لمطالبهم، ليقوموا بالتصعيد فيما بعد، حيث أعلنوا الإضراب الكامل وتوقف المدارس الحكومية في جميع الولايات.

 وقد وصفت لجنة المعلمين السودانيين، تعاطي حكومة الأمر الواقع، مع حراكهم الحالي “بالتعنت و المماطلة”، وعزت قرار وزير التربية والتعليم المفاجئ، بأنه محاولة لإفشال الإضراب المعلن مسبقاً، قبل أن تؤكد أن اللجنة والمعلمين ماضون في إضرابهم.

“لم تبارح الأزمة مكانها منذ 16 اكتوبر الماضي، عندما رفع المعلمون مذكرة بمطالبهم في ولايات البلاد الـ 18، لكن السلطات تجاهلت الحراك حتى وصل إلى الإغلاق الشامل، وفي الوقت الحالي وصل الملف إلى رئيس مجلس السيادة، في انتظار قرار حاسم ينقذ العام الدراسي من الانهيار”. يقول عضو لجنة المعلمين السودانيين،  سامي الباقر لـ(بيم ريبورتس).

عدم الإنصاف في التعليم

فور انتهاء العطلة التي أقرتها وزارة التربية والتعليم، استؤنفت الدراسة بشكل طبيعي في ظل إضراب معلن وتوقف كامل للدراسة بأغلب المدارس الحكومية بالسودان. ولأن الإضراب لا يشمل المعلمين بالمدارس الخاصة تم استئناف الدراسة فيها مباشرة، في تجاهل تام لعوامل أخرى ذات أهمية مثل التقويم الدراسي الموحد. علاوة على الامتحانات الشهرية والنهائية الموحدة والتي تضعها وزارة التربية والتعليم وضرورة جلوس جميع الطلاب في أنحاء البلاد للامتحانات بفرص عادلة وفي وقت واحد محدد من قبل الوزارة ضمن التقويم الموحد.

يقول الخبير التربوي، أحمد مختار، لـ(بيم ريبورتس)، إن استئناف الدراسة في المدارس الخاصة والعالمية، واستمرار تعليقها في المدارس الحكومية، هو نتيجة لتغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة، وبذلك ستخلق طبقات في التعليم، وقد تتولد الكراهية والأحقاد في قلوب الملايين الذين يرون أبناء المقتدرين يواصلون دراستهم.

 لاحقاً، مع استمرار الإضراب، أعلن وكيل وزارة المالية، عبد الله إبراهيم، بدء صرف فروقات المتأخرات حصراً لمعلمي ولاية الخرطوم، على أن يتم تأجيل صرف المتأخرات لباقي المعلمين في الولايات الأخرى. ورداً على هذه الخطوة، أعلنت لجنة المعلمين السودانيين الدخول في اعتصام أمام المدارس احتجاجاً على المعالجات الجزئية التي أقرتها وزارة المالية.

هل يقف الإضراب وحده في وجه الطلاب؟

واجه حراك المعلمين نقداً واسعاً في مواقع التواصل الاجتماعي وأسر الطلاب، وتباينت الآراء حوله، حيث رأى البعض أن الإضراب سيؤثر سلبا على طلاب الذين لم تشهد سنواتهم الدراسية السابقة استقرارا بفعل الظروف السياسية والأمنية في البلاد.  

فمنذ العام 2018م، توالت الإغلاقات، مرورا بإغلاق المدارس إثر فض اعتصام القيادة العام ، ثم تلاها إغلاق آخر بسبب إضراب المعلمين في فترة الحكومة الانتقالية 2020م، وأعقبها إغلاق طويل شمل كل البلاد إثر انتشار وباء كورونا، كما لم تستقر الدراسة طويلاً، حتى انقلاب 25 اكتوبر 2021م.

سياسات فاشلة

لسنوات طويلة ظلت مسألة السلم التعليمي في السودان محل نقاش وصراع دائمين بين الحكومة وخبراء التعليم الذين ينددون بالتدهور التعليمي في البلاد. وتعاقبت على السودان 3 أشكال مختلفة للسلم التعليمي، استقرت على 8 سنوات أساس و 3 ثانوية في عهد نظام النظام المخلوع. لاحقاً، قامت عدة مؤتمرات لمناقشة شأن التعليم في السودان وكان أحدها مؤتمر التعليم القومي 2013م والذي كانت أبرز مخرجاته إعادة المرحلة المتوسطة للسلم التعليمي وتمت إجازتها قانونياً في العام 2015م.

في العام 2016م، أصدرت وزارة التربية والتعليم قراراً ينص على زيادة سنة تاسعة لمرحلة الأساس لتعود السنوات الدراسية مجددا لـ 12 سنة، ما أثار جدلا في أوساط المختصين.

ورأى مختصون، أن القرار زاد من حدة الأزمة وأن هذا التغيير في السلم التعليمي يعبر عن سياسات عشوائية وخطوات غير مدروسة.

بعد تشكيلها في 2019م، شرعت الحكومة الانتقالية في تنفيذ خطة عودة المرحلة المتوسطة وأعلنت عودتها على أن يتم إلغاء الصف السابع أساس ويحل محله أول متوسط. وأوضحت أن المرحلة المتوسطة ستكون منفصلة تماما بزي ومنهج مختلفين وتركت أمر فصل المباني للولايات لتنظر في أمره حسب الإمكانيات المتوافرة.

لكن، العقبات كانت حاضرة في تنفيذ هذا القرار كغيره، ويرى خبراء أن قرار الحكومة الانتقالية بإرجاع المرحلة المتوسطة هو قرار سليم ولكنه أتى متعجلا لعدم توافر إمكانيات الفصل. وفي هذا السياق، يقول سامي الباقر: “كان من الأولى أن تتم العودة للمرحلة المتوسطة بامتحانات صفية وليست مرحلية، ثم التدرج في الفصل بين المرحلتين في مدى زمني لا يقل عن 3 سنوات، لكن الحكومة الانتقالية تعجلت في القرار دون توفير المطلوبات”.

وضع كارثي

في ظل الإغلاق الحالي والأحداث الجارية بخصوص التعليم من إضراب وتجاهل من قبل سلطة الأمر الواقع، أصدرت منظمة اليونسيف تقريرا ، أشارت فيه إلى أن ثلث أطفال السودان خارج المدارس حالياً، أي أن هناك واحد من كل ثلاثة أطفال لا يتلقون التعليم. 

وقالت إن الوضع العام للتعليم لا يبشر بواقع أفضل لمستقبل الأطفال بسبب نقص في المعلمين، بالإضافة لوضع البنى التحتية وانعدام البيئة الدراسية المناسبة. في هذا الاتجاه يعتقد سامي الباقر، أن المدارس تعاني من نقص حاد في المعلمين واكتظاظ في الفصول يصل في بعض المدارس إلى 100 تلميذة وتلميذ في الفصل الواحد. علاوة على عدم وجود الخدمات الأساسية من مياه الشرب وحمامات، ويرجع السبب في كل ذلك لضعف إنفاق الدولة على التعليم.

ويعاني السودان من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية ألقت بظلالها على وضع التعليم في السودان وزادت من حدة الأزمة وكان الناتج الأهم لذلك هو تسرب الطلاب من المدارس بشكل متباين في مختلف الولايات لأسباب مختلفة، علاوة على التأثير السلبي المباشر على جودة التعليم.

ويعد التدهور الاقتصادي الذي يشهده السودان هو العامل المشترك في جميع أنحاء السودان الذي لطالما اضطر أسر الطلاب لإيقاف تعليم أبنائهم لاستحالة تحمل تكاليفه، وما زالت الحكومات المتعاقبة على السودان تعد بمجانية التعليم العام باعتباره حقا مكفولا، إلا أنه يزداد غلاءً عاماً تلو الآخر. 

التعليم في ظل النزاعات

لطالما وقفت الحروب والنزاعات في وجه التعليم، وكانت عاملا في زيادة صعوبة تمسك الطلاب السودانيين بمقاعدهم في صفوف الدراسة. ولأعوام طويلة اتجه الطلاب في مناطق النزاعات وخاصة في المناطق التي تشهد انهيارا أمنيا في غرب السودان إلى ترك مقاعد الدراسة، إما للالتحاق بمجموعات مسلحة والانضمام لركب الحرب، أو التشرد خارج مناطقهم التي بدأوا الدراسة بها.

في العام 2015م، أصدرت منظمة اليونسيف تقريراً، أشار إلى أن ثلاثة ملايين طفل في مناطق دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان لم يلتحقوا بالمدارس، بالإشارة إلى أن 45% من الأطفال يتسربون من الدراسة في المرحلة الأخيرة من التعليم الأساسي، بينما لا تلتحق نسبة 43% منهم بالمدارس أبداً.

و بجانب أخص، فقد ألقت الظروف الأمنية والاقتصادية بالبلاد بظلالها على تعليم البنات، حيث خرجت العديد من الطالبات ولم يلتحق بعضهن من الأساس بالمدارس. ويشير تقرير لمعهد اليونسكو للإحصاء، أن عدد الطالبات اللاتي يلتحقن بالمدارس في السودان أقل في جميع المستويات المدرسية من الطلاب الذكور.

لكل هذه الأزمات مجتمعة أثرها البالغ على قطاع التعليم، و بالرغم من أنه يحتل مكانة ذات أهمية لدى كثير من السودانيين، إلا أنه لم يجد الاهتمام الكافي من قبل معظم الحكومات المتعاقبة على حكم السودان. تمظهر ذلك في الموازنات السنوية العامة التي لا تنفق على التعليم بقدر مناسب وسياسات الدولة الفاشلة تجاه التعليم، التي نتجت عنها مشكلات عديدة تمتد جذورها لعوامل مختلفة وتختلف آثارها التي تظهر على السطح بشكل أو بآخر. 

ويبدو واضحاً، أن السودان بجملة أزماته التي يعاني منها في الوقت الحالي، لن يستطيع مستقبلا تحمل تكلفة غياب ثلث أطفاله الذين هم في سن التمدرس عن مقاعد الدراسة وعزوفهم القسري عن التعليم.

(عقد الجلاد).. صوت الحرية الذي لا يغيب عن محافل السلطة أحياناً

“حاجة آمنة كفاك صبر”، بتصرف طفيف في كلمات الأغنية الشهيرة، خاطب العضو المؤسس لفرقة عقد الجلاد الغنائية، شمت محمد نور، من على مسرح اعتصام القيادة العامة للجيش، الجمهور المحتشد، فرحاً، بانتهاء 3 عقود من الظلم والاستبداد. 

 دواعي تغيير حالة “حاجة آمنة” بالنسبة لنور، وهو أستاذ موسيقى بالجامعات السودانية، كان الحفل الاستثنائي الذي أحيته المجموعة؛ بمناسبة احتفال السودانيين في أمسية الحادي عشر من أبريل 2019م، بسقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

 

على الرغم من حماسة نور في تلك الأمسية الثورية، واستمرار تبشير المجموعة لأكثر من ثلاثة عقود بوعود الثورة والتغيير، في ظل حكم النظام المخلوع الذي استولى على السلطة بعد سنوات معدودة من تأسيسها. إلا أن مسيرتها لم تخلُ من مشاركات في محافل السلطة نفسها التي كانت تناهضها بالموسيقى، وتتعنت في منحها تصديقات إقامة الحفلات، في أحيان كثيرة.

كان آخر تلك المشاركات المثيرة للجدل، هو إحيائها  حفلاً بمعرض الخرطوم الدولي في يناير الماضي، الأمر الذي أثار التساؤلات القديمة/الجديدة حول موقفها المتأرجح من السلطة عموماً. بينما كانت تغني فرقة عقد الجلاد ليلتها على مسرح المعرض، كانت حكومة الأمر الواقع من جهتها، تمطر منطقة بري المحيطة بالمعرض، بعبوات الغاز المسيل للدموع، والقنابل الصوتية. 

 

وانتقادات الجمهور لموقف عقد الجلاد من السلطة، ليس هو الأزمة الوحيدة التي تحيط بإحدى أهم المجموعات الغنائية في البلاد اليوم، وهي تمر بأضعف حالاتها؛ في ظل مغادرة جميع أعضائها المؤسسين، وإيقاف غالبية الشعراء والملحنين الذين كتبوا للمجموعة أعمالهم منها، بأوامر قضائية.

المؤسس:

يرجع الفضل في تأسيس عقد الجلاد عام 1984م إلى الموسيقار عثمان محمد النو، الذي لمع نجمه في التأليف الموسيقي وكان من محترفي آلة (الغيتار) في مدينة ود مدني (ولاية الجزيرة) منذ المرحلة الثانوية التي درسها بمدرسة حنتوب، حيث قاد النو فرقتها الموسيقية إلى إحراز المركز الأول، في الدورة المدرسية للعام 1976م بمقطوعات موسيقية من تأليفه.

بعدما وجد النو تشجيعاً وانبهاراً من أساتذة الموسيقى الذين كانوا ضمن لجنة تحكيم الدورة المدرسية، التحق في العام التالي بقسم الموسيقى، بمعهد الموسيقى والمسرح بالخرطوم، كما عمل في تلك الفترة كعازف (غيتار) مع عدد من الفنانين. وفي نهاية الأعوام الدراسية الخمسة، نال مشروع تخرجه الذي كان لحن قصيدة: (بين الخليفة وأمونة بت حاج أحمد) للشاعر محمد طه القدال، إعجاب طيف واسع من أساتذة وطلاب المعهد، وتم تسجيله بأداء مجموعة من الفنانين في التلفزيون القومي. 

ومع ذلك، لم يُغر النو، تراكم الأعمال الملحنة لديه، بأن يوزعها على الفنانين، كغيره من الملحنين، حيث كانت تتملكه فكرة تكوين فرقة، فبدأ في جمع طلاب من المعهد وتدريبهم على أعماله يومياً، وكان عدد المجموعة يتذبذب في تلك الفترة بين الزيادة والنقصان.

البدايات:

كان الظهور التلفزيوني الأول لمجموعة عقد الجلاد عام 1988م، خلال برنامج (أنغام وإبداع) بالتلفزيون القومي، وكان قوامها آنذاك 5 مغنيين هم؛ أنور عبدالرحمن، شمت محمد نور، عوض الله بشير، منال بدرالدين، ومجاهد عمر. 

في تلك الحلقة، أوضح أستاذ الموسيقى بمعهد الموسيقى والمسرح، أزهري عبد القادر، أن ظهور مشروع فني كعقد الجلاد هو أمر طبيعي، حيث أن الغناء الجماعي في السودان يعتبر إرث قديم جداً بالرغم من تباين أشكاله في الثقافات والبيئات المختلفة، ودّعم عبدالقادر حديثه بضرب أمثلة بغناء الحقيبة، والإنشاد الديني، وأغاني العمل في الأسواق التي يتغنى بها العمال، وكذلك طقوس الزار.

وبالرغم من أن عقد الجلاد ولدت داخل معهد الموسيقى والمسرح، إلا أن  الموسيقي الأكاديمي، كمال يوسف، يرى أن عقد الجلاد خرجت من الشكل المعهود للأداء الكورالي الذي اشتهر به المعهد، حيث قال في إفادته لـ(بيم ريبورتس) ” تعتبر عقد الجلاد تجربة رائدة لما كان وقتها لشكل جديد للغناء الجماعي المنظم المدعوم بمعرفة علمية وأكاديمية، وإن كانت تشبه في ذلك الكورال، إلا أن اعتمادها على موسيقى الأصوات البشرية كان أكبر، وتنازلت كذلك عن الأوركسترا الضخمة التي تصاحب الكورال عادة.”



نجاح كبير

لاقت المجموعة نجاحاً كبيراً منذ انطلاقها، واحتشد في حفلاتها الجماهيرية أعداد كبيرة من المستمعين، خاصة في أوساط طلاب الجامعات والمثقفين الذين انجذبوا لطرح أعمال المجموعة للقضايا، الأمر الذي أشار عثمان النو في إحدى مقابلاته الإعلامية، أنه كان مقصوداً، حيث روى أنه أثناء وجوده بالمعهد كان يسكن بجوار الشاعر الراحل، محمد طه القدال، الذي كان يقرأ عليه أعماله. كما كان كثيراً ما يلتقي بشعراء مثل عماد الدين إبراهيم، ومحمد محمود الشيخ (محمد مدني)، الذين منحوه الذخيرة الأولى لأعماله اللحنية. يقول النو: “وجدت أنه أصبح لدي مجموعة كبيرة من القصائد، وبدأت في التلحين، وكنت حريصاً على الأعمال التي تناقش الأوضاع الاجتماعية والسياسية.”

ولكن هذا الحرص، وضع عقد الجلاد، تحت أعين نظام انقلاب الإنقاذ لاحقاً، والذي كان حديث العهد بالحكم عند بداية رواج المجموعة، فمنعت أجهزة الأمن المجموعة من أداء بعض الأعمال، وكذلك من إقامة الحفلات العامة عدة مرات، حتى وجدت المجموعة نفسها، في لحظة عجز تام، تناقش خيار الهجرة. 

وروى عضو المجموعة السابق، شمت محمد نور، في أحد حواراته التلفزيونية، أنهم شرعوا فعلياً في الهجرة إلى مصر في بداية التسعينات، ولكنهم فوجئوا بوجود أسمائهم في قائمة الممنوعين من السفر. ويشير نور إلى أنهم حاولوا مغادرة البلاد مرة أخرى عبر الطريق البري، إلا أن قوات الأمن اعتقلتهم في ولاية النيل الأبيض وهم في طريقهم لمغادرة البلاد عبر الحدود الغربية، ومع ذلك يرى نور أن كل هذا يعد ضريبة الرسالة التي حملتها المجموعة.

خيبة أمل:

“تسمرت عيناي وأنا أطالع الإعلان”، كانت هذه الكلمات التي عبر بها عضو عقد الجلاد السابق، أنور عبدالرحمن، عن اندهاشه وخيبة أمله عندما أعلنت المجموعة في نوفمبر 2017م إحيائها لحفل ضمن فعاليات المؤتمر السابع للاتحاد الوطني للشباب، المحسوب على حزب المؤتمر الوطني المحلول، استنكر عبدالرحمن ما وصفها بالمشاركة في “أنشطة ديكورية لتجميل هذا النظام”. ولعل عبدالرحمن لم يكن الصوت الرافض الوحيد داخل المجموعة، فقد غاب مغني المجموعة، وعضوها المؤسس، شمت محمد نور عن الحفل الجماهيري الذي تلى مشاركتها تلك، كما امتنعت المجموعة عن أداء الأعمال التي لحّنها، وكان تعليق عقد الجلاد على هذا الأمر، أن غياب نور وألحانه يتعلق بخلافات داخلية، لم يتم تفصيلها، ويجري حلها.

 

ورأى الكاتب والناقد السر السيد في إفادته لـ(بيم ريبورتس)، “عدم وجود أي ضرورات تتطلب تماهي عقد الجلاد مع أنظمة تعادي ما تدعيه المجموعة في خياراتها من أعمال، من قيم الحرية والعدالة والديموقراطية”. وأضاف أنه كان لهذا الأمر تداعيات سيئة على التماسك الداخلي للمجموعة، وقال” تسبب هذا الغياب للاتساق في انشقاقات وخلافات عديدة داخل عقد الجلاد”.

 

وبالرغم من مواقفها المثيرة للجدل أحياناً، تظل عقد الجلاد أحد أهم التجارب الفنية، التي آثرت أن تشهر فنها سلاحاً في مقاومة الاستبداد في أزمنة البلاد الأكثر قتامة.  

من صالون (فوز) إلى الجمعيات الأدبية.. كيف لعبت الثقافة دوراً طليعياً في استقلال السودان؟

من هناك، منزل “فوز” بأمدرمان مطلع العشرينيات، خرجت الأشعار والأغاني التي شكلت وجداناً مقاوماً للاستعمار البريطاني. حيث احتضن المنزل رهطاً من الشعراء والأدباء والسياسيين، وكان لهم ملاذاً آمناً من أعين المخابرات البريطانية، التي ضيّقت الخناق على الأنشطة التي نظمها مثقفو وسياسيو السودان في ذلك الزمان. وهو المكان الذي صدح فيه خليل فرح بأغنياته الوطنية لأول مرة، وخبئت فيه آلة طباعة استخدمت لنسخ المنشورات السياسية التي انتشرت في جميع أنحاء الخرطوم.

دار فوز

أسست جمعية الاتحاد السوداني في العام 1921م، وهي واحدة من أوائل التكوينات السياسية مطلع العشرينيات، والتي ضمت عدداً من المثقفين والمتعلمين بالعاصمة والأقاليم، وتكونت من خلايا سرية بعدد لا يتجاوز الخمسة أعضاء في الخلية الواحدة. ومع اتساع نشاط الجمعية وتمدده ومحاولة انفكاكه من قبضة الرقابة المفروضة على أنشطة وأجسام مشابهة من قبل الإدارة الاستعمارية، فإن أعضاء الجمعية كانوا في بحث مستمر عن مقر لتنظيم اجتماعاتهم، ليرسو بهم الأمر إلى استئجار صالون وحوش شاغرين بمنزل السيدة (حلوة) والتي كانت تسكن فيه مع ابنتها الوحيدة (الشُّول) والتي ستصير فيما بعد فوز، ويعرف ذلك المنزل باسمها، ويحتضن الكثير من الاجتماعات وجلسات الأنس والسمر.

منافذ عدة

لم تكن جمعية الاتحاد السوداني هي الجسم أو التجمع الوحيد الذي انتهج الثقافة في سبيل التحرر الوطني، بل كان للأدباء والمثقفين منافذ وأجسام عدة، والتي ساهمت إسهاماً مقدراً  في تحقيق استقلال السودان، في العام 1956م.

 العمل الذي بدأ منذ بواكير تشكل جمعيات القراءة في أمدرمان،  وولاية الجزيرة (جمعية ود مدني الأدبية) وهي التي كانت جنيناً لمؤتمر الخريجين؛ حين أطلق أحمد خير المحامي من منبرها فكرته، ثم نمت الفكرة وتبلورت عن طريق كتابة الصحافيين عن دور المؤتمر الطليعي في جريدة السودان، ومجلة الفجر، الأمر الذي تمكن من جذب مختلف المهتمين.

بدائل جديدة

نسبة للممارسات الاستعمارية والتضييق على السودانيين، فقد تولد حس وطني باحثاً عن هويته، ومناهضاً للوجود الأجنبي، وهي المدعاة الأساسية لظهور الجمعيات السياسية كالاتحاد السوداني، ولاحقاً جمعية اللواء الأبيض، التي ناهضت الاستعمار بأدوات ووسائل عدة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأجسام شكلت روحها من داخل الفضاء الثقافي والأدبي، بعد تضييق الاستعمار الخناق على الممارسات السياسية.

وترأس الجمعية علي عبد اللطيف وعضوية  عدداً من الكتبة وصغار الموظفين، لتشهد بعد ذلك تحولاً في مناهضة الإنجليز عبر الفعل السياسي، جنباً إلى جنب مع سطوع عدد من مبدعي وشعراء الحركة الوطنية، مثل الموسيقار إسماعيل عبد المعين، وحسن خليفة العطبراوي، علاوة على الأشعار التي شكلت مزاج تلك الفترة؛ ومنها قصيدة خضر حمد للعلا، وصه يا كنار لمحمود أبي بكر.

جمعية اللواء الأبيض

ارتفع صوت الخلافات داخل جمعية الاتحاد السوداني حول الطريقة المثلى لمقاومة الاستعمار، ورأى البعض أنه ينبغي مواجهته بطريقة أكثر جذرية وحدة، الأمر الذي حدا بتكوين جمعية اللواء الأبيض. وعلى الرغم من توجهها السياسي، إلا أنها اتخذت من الثقافة والأدب رافداً أساسياً، يتمظهر ذلك في الهتافات التي شهدتها التظاهرات التي خرجت ضد السلطة البريطانية من شاكلة  “نحن الشرف الباذخ”، وهتاف طلاب الكلية الحربية “يا أم ضفاير قودي الرسن، اهتفي فليحيا الوطن”.

بعد القمع الذي تعرضت له انتفاضة اللواء الأبيض في 1924م، غير المثقفين تكتيكاتهم في  مقاومة الاستعمار، واتجهوا إلى توعية المجتمع عن طريق زيادة التعليم الأهلي وبث القيم الوطنية. 

وابتكر المثقفون وسائل وأدوات أدبية وفنية عديدة في سبيل نشر القيم التي نادوا بها، مثل المسرح والحفلات، والخطاب الشعري الذي ظهر في النشيد الوطني “في الفؤاد ترعاه العناية” والذي أحدث قطيعة مع مؤسسات الاستعمار؛ حيث ورد فيه “ما بخش مدرسة المبشِّر.. عندي معهد وطني العزيز”.

دور الصحف والمجلات

شكلت الصحف والمجلات فضاء جديداً للمقاومة، وجاءت كتطور طبيعي لمجموعات القراءة والنقاش التي نشطت في الأحياء، وأضحت منفذاً لحركة التنوير في السودان؛ مثل جمعية أبوروف الأدبية، والهاشماب والموردة.

كانت الظروف مواتية لجمعية الهاشماب في تكوين مجلة الفجر، والتي خلقت تأثيراً في الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي، عبر مناقشتها لقضايا الهوية والانتماء. وانتظمت البلاد عدداً من الندوات والمحاضرات؛ التي نظمها مؤتمر الخريجين بعد توقيع المعاهدة المصرية – البريطانية في عام 1936م، والتي لم يجيء فيها ذكر مصير السودان. لتنشر محاضرة “واجبنا السياسي بعد المعاهدة” في مجلة الفجر.

بعدها نُظم أول مهرجان أدبي، في العام 1939م، بمدينة ود مدني، والذي تطرق – إلى جانب الأدب – لقضايا الاقتصاد والهوية والتخلف. وأقيمت النسخة الثانية من المهرجان بمدينة أمدرمان، في العام التالي. وكان مقرراً إقامة النسخة الثالثة بنادي الخريجين بالخرطوم، إلا أن الإدارة البريطانية منعت قيامه، لكن النسخة الرابعة اتخذت مكانها بمدينة الأبيض (شمال كردفان). 

منذ العشرينيات، ومع دخول التيارات الفكرية الحديثة إلى السودان بشكل كبير، كانت الأسئلة الوطنية الكبرى المتعلقة بالتحرر والهوية قد برزت إلى السطح. وعولجت هذه الأسئلة في البدء من خلال الندوات والأشعار والأغاني التي شكلها الجيل المبكر من الحركة الوطنية السودانية التي انتظمت النوادي والصوالين الأدبية، قبل أن تتبلور في أجندة سياسية واضحة. الأمر الذي جعل هذه الأجسام ومطالبها ذات طابع ثقافي في الأصل، ولكن تنبغي الإشارة إلى عدم القدرة على الفصل القاطع والحاد بين ما هو ثقافي وما هو سياسي.

أشبه بالخصخصة.. كيف تهدد سياسات القبول الجديدة بالجامعات الحكومية السودانية مستقبل آلاف الطلاب؟

أية السماني

أية السماني

بين أسوار ثانوية (حجر الطير) الماثلة جنوب مدينة شندي شمالي البلاد، جلست رونق نصر الدين لامتحانات الشهادة السودانية، وثابرت في سبيل حجز مقعدٍ لها بكلية الطب في إحدى الجامعات الحكومية، الأمر الذي توجته بإحرازها نسبة 92% في نتيجة هذا العام. لكن، وكما تقول والدة رونق، وصال العوض “قبل أن تكتمل فرحة ابنتي بقبولها في مجال الطب البشري بجامعة بحري، لم يكن للجامعات إلا أن تعلن عن رسومها الدراسية الجديدة، وتقطع الطريق أمام ذلك الحلم، وتكشف الستار عن واقع منافسة غير عادلٍ البتة”.

قيود وأعباء إضافية

في ظل أزمة اقتصادية تشتدُ وطأتها يوماً إثر يوم، وتطال تبعاتها غالبية المواطنين السودانيين، ومؤسسات الدولة كافة، خاصة تلك التي تعتمد في تمويلها وتسيير عملها على وزارة المالية. فإن هذه المؤسسات عادةً ما تلجأ إلى فرض مزيد من الرسوم أو مضاعفة رسوم الخدمات التي تقدمها سلفاً، لتضرب بذلك قيوداً جديدة على المواطن، وهو ما تجلى في الرسوم الدراسية للعام الجديد في مؤسسات التعليم العالي الحكومية.

تضاعفت نسبة الرسوم الدراسية بصورة مهولة مقارنة بالعام الماضي، والتي كانت هي أيضاً محل رفض من قبل الطلاب. لكن ذلك لم يدفع الجامعات إلى التراجع عنها، بل استمرت في فرض زيادات جديدة هذا العام، الأمر الذي  قوبل برفض واستنكار شديدين من قبل الطلاب وأسر الطلاب المقبولين.

تعليم للمقتدرين حصراً

“ذهبت إلى الجامعة، وعلمت بشأن المقاطعة التي نظمها طلاب كلية الطب، ولم يكن هناك خيار سوى المقاطعة” تقول والدة رونق، وصال العوض، في إفادتها لـ(بيم ريبورتس).

وتضيف العوض “بالرغم من خشيتي أن تفقد ابنتي مقعدها بالجامعة، إلا أنني لن أستطيع تسديد المبلغ، خاصة وأننا فوجئنا به الآن ولم يعلن عنه قبل فترة لنتمكن من جمعه”.

لوقتٍ طويل، كانت الجامعات الحكومية ملاذاً مضموناً لجميع الطلاب السودانيين، من  مختلف الجغرافيات والأوضاع المادية، حيث تكون المنافسة سنوياً بين الطلاب على حسب نسب نجاح مرتفعة، حيث أن المستوى الأكاديمي المتميز هو الفيصل الوحيد في المنافسة للقبول بها. 

وها هي اليوم تغير سياساتها للقبول في مفاجأة لجميع الطلاب المقبولين حديثاً بفرض رسوم تعجيزية، غير آخذة في الاعتبار الأوضاع المادية لأسر الطلاب، متجاهلة كذلك الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.

نسب زيادة مرتفعة

شملت زيادة الرسوم الدراسية معظم الجامعات الحكومية بالبلاد، والتي يعول عليها معظم خريجي الشهادة السودانية. وعلى سبيل المثال، فإن الرسوم الدراسية في جامعة الخرطوم  تراوحت ما بين 300-500 ألف جنيه للسنة، علاوة على الزيادة في رسوم التسجيل والإجراءات المصاحبة له، مثل الكشف الطبي للطالب، بالإضافة لارتفاع تكاليف سكن الطلاب، الذي وصل إلى 60 ألف جنيه للطالب، في حين أنه لم يتجاوز الـ 5 آلاف في الأعوام السابقة.

أما في جامعة السودان، فقد قاربت زيادات رسوم الطلاب المقبولين حديثاً من النصف مليون جنيه سوداني، وأردفت بزيادة في رسوم التسجيل لدفعات مقبولة مسبقاً، حيث ارتفعت رسوم التسجيل بالنسبة لدفعة العام 2019م بنسبة 300%، كما كانت الزيادة بالنسبة لطلاب الدفعة 2020م بنسبة 1000% متجاوزة بذلك لائحة التعليم العالي بأن لا تزيد رسوم التسجيل للدفع السابقة بأكثر من 10%.

شملت الزيادة في الرسوم الدراسية معظم الجامعات الحكومية وأكثرها قبولاً للطلاب، كجامعة الجزيرة، بحري والنيلين.

دواعي زيادة الرسوم

بينما يعيش السودانيون بالأساس، في ظل ظروف اقتصادية طاحنة، فرضت الجامعات الحكومية رسوم باهظة على الطلاب بحجج مختلفة، والتي من ضمنها العجز في ميزانية الجامعات. حيث فاقمت هذه السياسات التي لم تضع الطلاب وأسرهم ضمن أولوياتها، من سوء الوضع، الأمر الذي فجر الغضب وسط طلاب الجامعات، وانخرطوا على الفور في حراك مقاوم لهذا القرارات.

في جامعة الخرطوم، نظم الطلاب حراكاً مناهضاً لهذه القرارات، ضم روابط وجمعيات الكليات المختلفة، وشرعوا في الدعوة لاجتماعات مع إدارة الجامعة بشأن قضية الرسوم الدراسية.

"قدمنا طلباً لمقابلة مدير الجامعة، لكنه رفض الجلوس معنا ثم صعدنا بمواكب حتى تقدم بدعوتنا لاجتماع، وضح فيه موقفه من قضية الرسوم، وقال إنه لن يتم تخفيض الرسوم نهائياً". يوضح رئيس رابطة كلية الآداب بجامعة الخرطوم، عمر السر، لـ(بيم ريبورتس).

بعد مقابلة الطلاب مدير الجامعة أخرجت الروابط بياناً مشتركاً وصفت فيه تصرفات إدارة الجامعة بـ”التعنت” قبل أن تدعو لمواكب طلابية متوجهة لمكتب مدير الجامعة، وأخيراً اتجه تصعيد الطلاب نحو دعوة المقبولين حديثاً بمقاطعة التسجيل حتى تخفيض الرسوم، ودعا الطلاب بالجامعة لمقاطعة المناشط المقامة من قبل عمادة شؤون الطلاب مثل الأسبوع الثقافي و بطولة الشطرنج المفتوحة إلى حين تحقيق المطالب.

لم تقتصر الاحتجاجات على ذلك القرار من قبل الطلاب فحسب، بل شاركهم ذوو الطلاب الجدد، باعتبارهم طرف أصيل متأثر بهذه الأزمة وقد تم تجاهل وضعه في الاعتبار بهذا القرار.

في هذا السياق يواصل عمر السر قائلاً: "عندما أقمنا ركناً للنقاش بالجامعة حول قضية الرسوم، قام أحد أولياء أمور الطلبة المقبولين حديثا بطلب مداخلة، قال والد الطالب إنه لا يملك حتى رسوم الكشف الطبي 20 ألف جنيه، وإن استطاع جمعها لن يكون قادراً بالتأكيد على جمع الرسوم بهذا المبلغ".

سرعان ما انضم للحراك طلاب كلية الطب بجامعة بحري، حيث أعلنت رابطة طلاب الطب رفضها القاطع لهذا القرار ووصفت الزيادة في الرسوم بـ”غير المبررة” وبعد اجتماعات مع إدارة الجامعة دعت الطلاب المقبولين حديثاً وذويهم لمقاطعة التسجيل حتى تخفيض الرسوم.

"ليس لهذا القرار شرعية، وهو متاجرة بالتعليم فقط لا غير، في حال رضينا بهذه الزيادة فسوف تصبح زيادة ثابتة سنويا في الأعوام المقبلة" يقول رئيس رابطة كلية الطب بجامعة بحري، مهدي البشير، لـ(بيم ريبورتس).

في الوقت نفسه، نظم طلاب جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا إضراباً شاملاً بالجامعة رافضين القرار الجديد بزيادة الرسوم للدفعات القديمة والرسوم الباهظة التي فرضت على الدفع المقبولة لهذا العام.

رد الجامعات

لم تختلف ردود الفعل من قبل إدارات الجامعات عن بعضها البعض كثيراً، فقد أجمعت على رفض تخفيض الرسوم الدراسية المعلن عنها. فجامعة الخرطوم، كانت قد عقدت اجتماعاً يوم الثلاثاء 20 ديسمبر برئاسة مدير الجامعة، عماد الدين عرديب، ضم الاجتماع أعضاء بإدارة الجامعة وعمداء الكليات بحضور روابط الطلاب بكل الكليات وأقرت خلال الاجتماع عدة بنود أهمها الإبقاء على الرسوم التي أقرتها الجامعة، مع النظر في حالة الطلاب غير المقتدرين.

أما جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، فقد صرحت في بيان لها، أن الزيادات المفروضة هي “نتاج طبيعي للتضخم” وأن العملية التعلمية ستتوقف “اضطرارا” إذا لم يلتزم الطلاب بدفع الرسوم الدراسية المقررة، لكن الإضراب ظل مستمراً بكليات الجامعة وكان الرد من إدارة الجامعة أن أصدرت بيانا أعلنت فيه تعليق الدراسة إلى أجل غير مسمى.

بيان تعليق الدراسة بجامعة السودان المجمع الجنوبي

نُذر الخصخصة

يرى مختصون أن هذه المرحلة هي نتيجة حتمية لارتباطها الوثيق بتردي الوضع الاقتصادي والذي من شأنه ان يضر بقطاع التعليم و ان هذه القرارات ليست إلا امتدادا للسياسة الاقتصادية الجديدة بالبلاد.

في هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي د.معتصم أقرع لـ(بيم ريبورتس) "مثل هذه القرارات هي نتيجة لسياسات الحكومة الاقتصادية التي بدأت من موازنة العام 2020 حيث كان لهذا التوجه الاقتصادي سمات أهمها رفع الدعم و زيادة الجبايات و تعويم الجنيه، بدعوى أن أموال الدعم ستتوجه نحو التنمية وتمويل الخدمات الأساسية كالتعليم و الصحة و من الواضح أن ذلك لم يحدث، حيث أن الوضع الاقتصادي يتدهور و النمو الاقتصادي في انكماش مستمر"

ويرى أقرع أن هناك اتجاه واضح لخصخصة التعليم ورفع الدولة يدها عن مسؤوليتها الاجتماعية، باعتبار أن ذلك يقلل من فرص الترقي الاجتماعي للفرد في السودان.

ويواصل أقرع “الفقير سيظل فقيرا لأنه لن يتمكن من الحصول على تعليم مناسب لانتشال نفسه وأسرته من الفقر”.

لابد أن لكل هذه الظروف مجتمعة أثراً كبيراً على مستقبل التعليم في السودان، وفي ظل ضائقة معيشية طاحنة وأوضاع اقتصادية متردية، فإن مثل هذه القرارات تشكل عبئاً إضافيا على الفئات التي اختارت التعليم كمخرج آمن لها، ليجد المتقدم أن الجامعات الحكومية التي كانت على مسافة واحدة من جميع الطلاب في كافة أرجاء السودان، أضحت اليوم على هيئة سلعة يحصل عليها أبناء المقتدرين حصراً.

الكنائس تعاود قرع أجراسها احتفالاً بـ(الكريسماس).. كيف واجه المسيحيون السودانيون عقوداً من التضييق؟

يعاود المواطنون المسيحيون في السودان، اليوم الأحد، الاحتفال بأعياد الميلاد بالعاصمة الخرطوم بشكل اعتيادي للمرة الأولى منذ عدة سنوات، وذلك بعد إعلان تنسيقيات لجان مقاومة الولاية، تأجيل موكب 25 ديسمبر. وتقع غالبية الكنائس الرئيسية التي ستقرع أجراسها احتفالاً بأعياد الميلاد بقلب العاصمة الخرطوم.

 

وأتت خطوة لجان المقاومة على إثر ما شهدته البلاد العام الماضي خلال موكب 25 ديسمبر ضد انقلاب الجيش، حيث أغلقت الجسور الرابطة بين مدن العاصمة، وقطعت شبكتا الإنترنت والاتصالات، الأمر الذي حرم المواطنين المسيحيين من إمكانية الوصول إلى الكنائس التي يتركز أغلبها في قلب العاصمة، لأداء الصلوات والشعائر وإقامة الاحتفالات.

 

أيضاً، خطوة لجان المقاومة بتأجيل موكب يوم 25 ديسمبر، جاءت نتيجة لنقاشات ظلت تدور منذ العام الماضي، حول أهمية تأجيل التظاهرات بالتزامن مع أعياد الميلاد لتمكين المسيحيين من الاحتفال بالمناسبة بسلام.

 

و25 ديسمبر، مثل أول موكب وتظاهرة مركزية كان قد دعا لها تجمع المهنيين السودانيين قبل أربع سنوات، في ديسمبر 2018م. حيث قرر التجمع يومها تغيير فعله السياسي المتمثل في رفع عدد من المطالب التي تخص المهنيين والعمال إلى البرلمان، إلى الانخراط في التظاهرات التي انطلقت شرارتها في عدد من المدن السودانية المختلفة، ليتصدى التجمع لقيادة التظاهرات ويعلن عن تسيير موكب جماهيري إلى القصر الرئاسي بالخرطوم، من أجل المطالبة بتسليم السلطة.

تضييق مستمر ومعاناة قديمة

بدأت معاناة المسيحيين السودانيين، في عهد نظام الفريق إبراهيم عبود، الذي انتهج سياسة الأسلمة والتعريب القسريين والتي ألقت بظلالها على المسيحيين وانتهكت حقوقهم الدستورية. لكن مع فرض نظام الرئيس المخلوع، جعفر نميري (قوانين سبتمبر) في عام 1983م دخلت معاناتهم مع التمييز من قبل الدولة مرحلة فاصلة. وهو الأمر الذي عمقه نظام الإنقاذ وهي تضع نصب أعينها مشروعها الحضاري الذي سعى إلى إعادة هندسة المجتمع السوداني، ليتخذ اضطهاد المسيحيين والتضييق عليهم شكلاً ممنهجاً رعته الدولة ومؤسساتها، خاصة مع تصاعد الحرب في جنوب السودان، الأمر الذي أدخل مسألة الدين ضمن إطار سياسي وعرّف الحرب على كونها جهاد ديني.

انفراجة ولكن

لم تشهد القبضة المفروضة على المسيحيين انفراجاً إلا بعد التوقيع على اتفاق السلام الشامل وإقرار الدستور الانتقالي لسنة 2005م. لكن تلك الانفراجة والبراح الذي أتاحته الاتفاقية لم يدم لأكثر من ست سنوات، إلى لحظة انقسام السودان إلى دولتين في العام 2011م، بعدها عادت الهجمات بصورة أكثر شراسة، حيث أسقط الرئيس المخلوع، عمر البشير، كل المواد الدستورية والقوانين التي كفلت حقوق المسيحيين، وكان البشير قد صرح بأن “السودان صار دولة إسلامية-عربية خالصة عقب انفصال جنوب السودان”.

الانتهاكات

مثّلت تصريحات البشير وقتها ضوءاً أخضر أطلق أجهزة الدولة والتحريض الديني وعنفه تجاه المسيحيين؛ وبدأ تاريخ طويل من هدم الكنائس وإزالتها. 

وبعد تصريحات البشير مباشرة، أقدمت مجموعة متشددة على حرق مبنى تابع للكنيسة الإنجيلية اللوثرية بمدينة أمدرمان في يونيو 2011م. وفي مطلع العام 2012م، حرق مجموعة من الأهالي بمنطقة الجريف مجمع كنسي في المنطقة بعد تحريض علني من قبل أحد الشيوخ السلفيين، ولم تحقق الشرطة في الحادثتين.

 

لتقدم السلطات المحلية بالخرطوم بإزالة مباني الكنيسة الأسقفية بالحاج يوسف، بزعم أنها شيدت بصورة عشوائية ودون ترخيص من السلطات، وتجدر الإشارة إلى أن تلك الكنيسة أنشئت في العام 1978م وكانت تمارس فيها الشعائر الدينية منذ ذلك الحين.

وفي إفادته لـ(بيم ريبورتس) يقول أحد المنتمين للكنيسة الإنجيلية في بحري، رأفت سمير، “شهدت أعياد الميلاد ما قبل الثورة تضيقياً على المسيحيين، حيث يعتقل القساوسة ويهجم على الكنائس، علاوة على عدم منح المسيحيين عطلة العيد”.

تأثير الثورة

بعد الإطاحة برأس النظام السابق في 11 أبريل 2019م، علق مسيحيو السودان آمالاً في أن تسترجع لهم الحكومة الانتقالية حقوقهم التي تعرضت للانتهاك والسلب على مدى عقود. عملت الحكومة الانتقالية، في فترة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، على إجراء عدداً من التعديلات المتعلقة بالتشريع، بالإضافة إلى قانون الأحوال الشخصية، وقامت بإلغاء حد الردة، ووضع عقوبة جنائية على التكفير. إضافة إلى إعادة الحكومة عطلة عيد الكريسماس التي كانت لغتها حكومة الإنقاذ بعد انقسام السودان في 2011م.

جهد غير كاف

لكن الحقوقي والمحامي، ديماس مرجان، يرى في إفادته لـ(بيم ريبورتس) أن الحكومة الانتقالية شهدت تغيراً في شكل الخطاب، وكان متوازناً إلى حد كبير في التعامل مع ملفات الحريات الدينية. لكنه يعود ويقول برغم الخطاب المتزن إلا أنه لم ينعكس بصورة واضحة على مستوى التطبيق.

 

يذهب رأفت سمير في ذات اتجاه مرجان، ويقول”لم تكن للحكومة الانتقالية الرغبة الحقيقية للتعامل مع الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون المسيحيون، وكان تركيزها ينصب على إرضاء المجتمع الدولي ورفع العقوبات. لكنها لم تشرع في رد المظالم التاريخية والأصول التي صودرت في عهد الإنقاذ”.

 

توجت مساعي الحكومة الانتقالية بشطب السودان من قائمة المراقبة الخاصة بالحريات الدينية، وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت السودان عام 1999م على القائمة السوداء حول الحريات الدينية ضمن مجموعة من الدول، قبل أن تنقلها في 20 كانون أول/ديسمبر 2019م، إلى قائمة المراقبة. ثم إزالتها بشكل نهائي.

 

لكن ما بعد انقلاب الجيش في 25 أكتوبر 2021م فإن الأوضاع قد شهدت تراجعاً كبيراً بالنسبة للمسيحيين في السودان، عادت الانتهاكات مرة أخرى، وليس ما شهدته ولاية القضارف (شرق السودان) من إقدام نظامي يتبع للجيش بحرق كنيسة المسيح السودانية بمنطقة الدوكة، إلا أكبر دليل على ذلك.

المسيحية في السودان القديم

للمسيحية في السودان تاريخ ضارب في القدم، وهو يعود إلى قرونٍ مبكرة من العهد المسيحي، بصورة أكثر تحديداً إلى نهاية النصف الأول من القرن السادس الميلادي، حيث شهد السودان تشكل ممالك في شمال وأواسط البلاد اتخذت من المسيحية ديانة رسمية لها. حيث قامت ثلاث ممالك مسيحية، وهي مملكة نوباتيا (543م) وعاصمتها فرس، ومملكة المقرة (569م) وعاصمتها دنقلا العجوز، ومملكة علوة(580م) وعاصمتها سوبا. ولاحقاً اندمجت مملكتي المقرة ونوباتيا في مملكة واحدة، ومع دخول المسلمين بلاد النوبة بقيادة عبد الله بن أبي السرح انتهى الأمر بعقد الصلح بين الطرفين فيما عرف باتفاقية البقط.

دولة المواطنة

مع عدم وجود تعداد دقيق في السودان، إلا أن أحدث التقديرات تشير إلى أن سكان البلاد يبلغ 45.6 مليون نسمة، يدين 91% منهم بالإسلام، بينما تتوزع على 5.4% مسيحيون، و 2.8% ديانات شعبية، والباقي يتبع ديانات أخرى أو غير منتمين لأية ديانة. علاوة على  وجود ما يزيد عن المليون لاجئ وطالب لجوء في البلاد.

وفي ظل هذه الإحصاءات، فإن سؤال المواطنة المتساوية دون تمييز على أساس الدين يظل قائماً في سبيل كفل الحقوق والواجبات الدستورية، في بلدٍ عرف بالتنوع الثقافي والديني والإثني.

أقدم بنايات الخرطوم.. كيف اختزن القصر الجمهوري حكايات السودان لنحو مائتي عام؟

يمكنك تمييز حتى ألوانه، وسرعة وبطء أرجحة الهواء له في ساريته الشامخة إلى أعلى. هكذا يبدو للناظر إلى القصر الجمهوري، عَلَم السودان، وهو يرفرف في أزمنة الخرطوم، ما قبل وبعد الاستقلال، قبل أن تتغير ألوان العلم نفسه، وتطمس المباني المتناثرة بلا هدف، هوية المدينة المعمارية القديمة، التي أعاد تخطيطها البريطانيون على شكل علم بلادهم.

 

زحف المباني الفوضوي في مدينة الخرطوم المعاصرة وصل إلى القصر الجمهوري نفسه، بعدما تم تشييد قصر جديد بجواره في عام 2015م، تضافر ذلك مع إغلاق واجهة القصر المطلة على شارع النيل بحاجز حديدي، والذي أنهى تقليداً تاريخياً، كان يتمثل في تلقي الشعب تحية شرفية من حراس القصر كلما مدّ أي مواطن عابر يده محيياً أو أطلق صافرة سيارته.

 

شيدت سرايا الحكمدار، وهو أول اسم أطلق على القصر الجمهوري، في عام 1832م. وتشكّلت في البداية، من قاعة استقبال ذات سقف مرفوع فوق عروق خشبية غير مهذبة. أما أرضها، فكانت من التراب المدكوك وكانت تُرش مرة كل ساعتين، ويحيط بثلاثة جوانب منها ديوان مقام من الطين ومُغطى بألواح الخشب، وبينما كان هذا الديوان مفروشاً بالسجاد الفاخر ومساند الحرير، كان الحصير من أوراق شجر الدوم يغطي أرض القاعة. 

 

مع استتباب الحكم التركي – المصري للبلاد، كانت عودته لتاريخ الخرطوم القديم حتمية، فاستخدم الآجر المنقول من بقايا مدينة سوبا الأثرية وبعض المباني القديمة التي ترجع للعهد المسيحي في السودان، في إعادة بناء السرايا بين عامي 1849-1851م، التي كان قد تم هدمها بالكامل.  

 

“كانت سرايا الحكمدار بعد اكتمال بنائها أعجوبة أهل الخرطوم ومشايخ العرب من زوارها، الذين كانوا لا يصدقون أنها من عمل الإنسان وحده”، يقول الباحث المصري، أحمد أحمد سيد أحمد، في كتابه “تاريخ مدينة الخرطوم”.

 

ويتكوّن مبنى القصر الجمهوري من طابقين، بالإضافة إلى جزء أرضي وهو من المعالم المعمارية الرئيسية في الخرطوم، وتطل واجهته الرئيسية على النيل الأزرق شمالاً. للقصر ملحق به مسجد وكانت فيه كنيسة، لكن الحكم الوطني، حوّل مبنى الكنيسة إلى متحف، بعدما أزيل جزءاً منها وهو برجها. 

ويطل من الناحية الجنوبية على ساحة صغيرة كانت تحمل اسمه (ساحة القصر)، قبل أن يطلق عليها اسم حدائق الشهداء أخيراً.

حتى وقت قريب كان المتحف يفتح أبوابه أمام الزوار، أيام: الجمعة والأحد والأربعاء.

 

 وتم افتتاح المتحف الواقع في حديقة القصر رسمياً فى 31 ديسمبر 1999، وهو يضم المشاهد التاريخية التي كان مسرحها القصر الجمهوري خلال الحقب التاريخية المتعاقبة من تاريخ السودان الحديث، ويضم كذلك عدة مقتنيات أثرية وتراثية مختلفة ومتعددة ومكتبة. 

 

 وجرى تصميم القصر على نمط المباني الأوربية الكبيرة التي كانت سائدة في أوروبا في القرن السابع عشر، مع لمسة شرق أوسطية تتمثل في الأبواب والنوافذ المقوسة إلى جانب النوافذ الرومانية والإغريقية والشرفات والفرندات على الطراز البحر متوسطي.

 

ومع ذلك، في عهد الحكم الثنائي “الإنجليزي – المصري” للسودان، (1898-1955م)، أجريت بعض التعديلات عليها سنة 1900م، بعدما أهملت في عهد الدولة المهدية (1885-1898م)، وهدم جزء كبير منها، وفي 1912 بنيت فيها كاتدرائية.  وأطلق عليها سرايا الحاكم العام، وعرفت أيضاً باسم القلعة، نادراً.

تاريخ مدينة الخرطوم:

ومدينة الخرطوم لا تحتضن القصر الجمهوري وحسب، وإنما ينطوي تاريخها الحديث على التغيرات السياسية والاجتماعية التي عرفها السودان وشكلت وجوده الحالي.

 

وهي عرفت الحياة ودب فيها الإنسان قبل مئات السنين من ميلاد المسيح، بينما تم تأسيسها كعاصمة من قبل الحكم التركي المصري للسودان في 1830م. في ضاحيتها الجنوبية نحو عشرين ميلا،  كانت توجد مدينة سوبا عاصمة دولة علوة المسيحية التي سقطت بيد تحالف العرب والفونج 1504. و“تعرف المنطقة بالاسم ذاته حالياً. وتعد من أعظم مدن السودان المسيحي قاطبة، وكان فيها أبنية حسان ودور واسعة وكنائس كثيرة الذهب وبساتين”، يقول صاحب كتاب تاريخ الخرطوم. 

 

ومع أن مدينة الخرطوم في نسختها الحديثة خلق استعماري، إلا أن التاجر الخرطومي، الأوروبي، برون روليت، يقول إنها قديمة، وأنها كانت حتى  قبل الحكم التركي – المصري بنصف قرن مدينة عظيمة عندما هاجمها “الشلك” إحدى قبائل أعالي النيل الأبيض، جنوب السودان، ذات ليلة من ليالي سنة 1772 وقتلوا أهلها ودمروها، فانتهى وجودها في ذلك التاريخ حتى جاء الحكم التركي المصري فأعاد تأسيسها. 

 

وتجمع غالبية المصادر، على أن الخرطوم أخذت اسمها من شكل لسان الأرض المحصور بين النيلين الأبيض والأزرق، الشبيه بخرطوم الفيل، إلا أن آخرين يربطون اسم الخرطوم وقبيلة الشلك التي تعيش في جنوب السودان، على أساس أنه يتكون عندهم من مقطعين معناهما معاً “نقطة التقاء مجريين مائيين”.

 

ويقول الباحث المصري: “إن منطقة مقرن النيلين تقع طوال العصور القديمة في وطن النيليين، وهو الأمر الذي أثبتته القرائن المادية القاطعة. يضيف: “فقد كشفت الحفائر سنة 1954م، عن موطن للنيليين في الطرف الجنوبي لمدينة الخرطوم الحالية ترجع حضارته إلى عصر ما قبل الأسرات، كما ثبت أنه كان مأهولاً في العصر النوباتي والمروي (٧٥٠ – ٣٥٠) قبل الميلاد.  نسبة لمملكتي نبتة ومروي في السودان، وقد عُثر أيضاً على أكثر من إثني عشر موضعا حول مقرن النيلين لسكنى هؤلاء النيليين.

 

بالقرب من محيط القصر الجمهوري، توجد أهم المباني الأثرية في الخرطوم، على رأس تلك المباني مبنى جامعة الخرطوم، الذي شيده أول حاكم عام للسودان في عهد الحكم الثنائي اللورد كتشنر، تخليداً لذكرى غوردون، وتم افتتاحها 1902 باسم كلية غوردون التذكارية.

وكذلك مبنى البريد والبرق، ومبنى وزارة المالية والداخلية ويقعان بشارع النيل، بالإضافة إلى مقبرة ترجع إلى الحكم التركي – المصري، وهي قباب يرقد فيها بعض حكمداري الحكم التركي – المصري، بالإضافة إلى كاتدرائية القديس متى، المشيدة على الطراز الفيكتوري. 

 

ومحيط الخرطوم الرئيسي، تم تخطيطه على شكل العلم البريطاني، وذلك يشمل شارع القصر الجمهوري، وسابقا كان يُسمى شارع فيكتوريا، ويشمل ذلك كل المدينة جنوب شارع القصر إلى جامعة الخرطوم،  وأكبر تجسيد للعلم البريطاني يظهر في تقاطع سانت جيمس الواقع بقلب الخرطوم، وكان قبل تطبيق القوانين الإسلامية في السودان، توجد بالقرب منه أشهر بارات المدينة.

أحداث شهدها القصر:

في فجر السادس والعشرين من يناير 1885م، اقتحم أنصار الثورة المهدية مبنى سرايا الحكمدار في العاصمة الخرطوم قبالة النيل الأزرق وقتلوا حاكم عام السودان وقتها، الجنرال الإنجليزي تشارلز غوردون، في درج الطابق الأول.

عندما وصلت ما عُرفت بحملة إنقاذ غوردون القادمة من بريطانيا قريباً من الخرطوم، كان أنصار المهدي قد قضوا على غوردون وسلموا رأسه للمهدي في عاصمته الجديدة بمدينة أمدرمان، على الضفة الغربية للنيل الأبيض، ونهر النيل. 

 

وتقع مدينة الخرطوم شرقي النيل الأبيض وجنوبي النيل الأزرق ويلتقي فيها النيلان الأزرق والأبيض في “مقرن النيلين” مكونان من بعد، نهر النيل، أحد أطول الأنهار في العالم.

 

 

قبيل الاستقلال بعامين، شهد القصر الجمهوري أحداثاً دموية، وذلك عشية مقدم الرئيس المصري الراحل، محمد نجيب إلى الخرطوم، في مارس 1954م إذ سقط العشرات من أنصار حزب الأمة الذي كان يرفض الوحدة مع مصر، قتلى قبالة البوابة الغربية للقصر الجمهوري، عندما حاول أنصار حزب الأمة اقتحام القصر، بوجود الرئيس المصري فيه. وسُميت تلك الأحداث في التاريخ السياسي السوداني، بأحداث الأول من مارس.

 

لم تمر أكثر من عشر سنوات على أحداث الأول من مارس 1954م، حتى عرف قصر الجمهوري أحداثاً دموية جديدة، عندما أطاحت ثورة  أكتوبر 1964، بحكم الجنرال إبراهيم عبود، ولكن قبل أن يحل عبود مجلسه العسكري أواخر الشهر نفسه، أردت قوات الحرس الجمهوري أكثر من ٢٢ قتيلاً أمام القصر الجمهوري، عندما حاولت الجماهير اقتحام المبنى.

 

في الحقبة التي تلت ذلك، وبينما كان الرئيس المخلوع جعفر النميري في إقامة جبرية بداخل القصر بُعيد انقلاب عسكري أطاح بحكمه لمدة ثلاثة أيام، في 19 يوليو 1971م، شهد المبنى الأثري حوادث إطلاق نار، ولكن بعد أن فرّ منه نميري في اليوم الثالث وآلت إليه الأوضاع في النهاية، زعم بأن الشعب حماه داخل القصر، لذا أطلق على المبنى اسم قصر الشعب. لكن، بعد انتفاضة مارس/أبريل 1985م، التي أطاحت بحكمه أعادت تسميته لما كانت عليه منذ حلول الحكم الوطني في 1956م (القصر الجمهوري) وهو الاسم الرسمي للمبنى حتى الآن.

حكام القصر:

في خضم أحداث دموية عديدة، بالمقابل يشهد القصر على أهم انتصارات السودان عندما تم إنزال علمي الحكم الثنائي ورفع العلم السوداني في أعلى سارية القصر، معلنا استقلال السودان في الأول من  يناير 1956م. 

ومنذ الاستقلال، استقبل القصر الجمهوري 9 رؤساء، بينهم 6 جنرالات جيش، وصلوا إليه عبر انقلابات عسكرية وفترات انتقالية، بالإضافة إلى أربعاء رؤساء مدنيين منتخبين وانتقاليين.

القصر الجمهوري: بين الماضي والحاضر

لكل تلك الأحداث أثرها على السودانيين، بما في ذلك منظورهم الخاص لرمزية القصر، وارتباطه بأحداث تاريخية تحتضنها الذاكرة الشعبية والتي لطالما كانت حاضرة في خطابات الثورة و أدبياتها، يستدلون بها الطريق نحو المقاومة حقبة تلو الأخرى. الآن، وبعد مرور أكثر من عام على انتفاضة شعبية اندلعت منذ فجر الخامس والعشرين من أكتوبر، إثر انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، يخرج الآلاف بشكل دوري قاصدين القصر الجمهوري للمطالبة بإسقاط الحكم العسكري في السودان .

 

تلك الوجهة التي تحمل في طياتها قصص الحكم الاستعماري، أثره الجلي على الخرطوم، طابع المدينة السياسي والاجتماعي والثقافي، عمارتها المتباينة شوارعها وطرقاتها، أحلام وآمال الملايين بإنهاء عصر الانقلابات العسكرية وميلاد الدولة المدنية الديمقراطية. يودون فقط الذهاب إلى القصر احتفالاً باستقلال بلادهم والتنزه في حديقته وأخذ العبرة من ذاكرته التي تعج بتاريخ الانقلابات العسكرية المتواترة التي عرفها السودان ولحظات الإطاحة بها، المشاهد الدموية ولحظات الانتصار.

غاب لثلاث دورات متتالية.. كيف عصفت الأزمات بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب؟

على مدى السنوات الثلاث الأخيرة، شهد معرض الخرطوم الدولي للكتاب، تخبطاً وتعثراً كبيرين، الأمر الذي ألقى بظلاله على واحدة من أهم الفعاليات الثقافية السنوية الراتبة في البلاد. وبرغم تعدد أسباب تعطل المعرض من صحية إلى سياسية، إلا أنها بالمقابل، فاقمت من المشكلات التي تواجه صناعة النشر الهشة في الأساس، وبات عدم ثقة الناشرين المحليين والدوليين في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، واحدة من الأزمات التي تواجه القطاع الثقافي في البلاد. 

وكان أول غياب للمعرض في العام 2020، حينما أعلنت وزارة الثقافة عن تجميد المعرض نظراً لجائحة كورونا، على أن يُعد للمعرض في وقت لاحق، حال انتفاء أسباب التجميد. أما العام الماضي، فقد شكّل  انقلاب 25 أكتوبر العام ال، الضربة الأكبر للمعرض وسمعته، وتسبب في تعرض ناشرون محليون دوليون لخسائر كبيرة.

ومنتصف سبتمبر الماضي، أصدر وزير الثقافة والإعلام (المكلف من قبل السلطة الانقلابية) جراهام عبد القادر قراراً بتأجيل الدورة السابعة عشر للمعرض من موعدها المحدد مسبقاً بـ 19 أكتوبر إلى أجل “يحدد لاحقاً” بحسب عبد القادر، لكن ها هو ديسمبر يسدل ستاره على نهاية العام 2022م دون جديدٍ يذكر. 

وتمثلت أسباب تأجيل دورة المعرض للعام الحالي بحسب بيان وزارة الثقافة في السيول والأضرار التي ترتبت عليها، وضرورة توجيه الدولة للوقوف مع المتضررين، فضلاً عن تقلب الفاصل المداري الذي ينذر بغزارة الأمطار، بالإضافة لمنح مزيد من الوقت لإجراء الترتيبات الفنية والإدارية لتقديم دورة متميزة ومثالية.

 

لكن ناشرين لا يتفقون مع تبريرات الوزارة لعدم إقامة معرض الخرطوم الدولي للكتاب، حيث يذهب الناشر والوراق محمد عمر،  في إفادته لـ(بيم ريبورتس) إلى أنه “لطالما كان هناك تهميش وعدم اهتمام كاف بالثقافة والسياسات المتعلقة بها، وذلك نتيجة لجهل السياسيين بالعمل الثقافي، بل استسهاله والتغول عليه”، ويضيف عمر: “في نسخة 2020 التي ألغيت بذريعة كورونا، لم تبذل الجهات الرسمية أي محاولات جادة لإقامة المعرض، وبعدها بأقل من شهرين نُظم معرض الخرطوم الدولي في نفس المكان، مع توفير الاحترازات الصحية”.

تبعات انقلاب 25 أكتوبر

في أكتوبر من العام الماضي، عملت وزارة الثقافة بالحكومة الانتقالية على تنظيم معرض الكتاب بشكل جيد، حيث وفرت عدداً من الكتب المطلوبة، بالإضافة إلى مشاركة ما يزيد عن مئتي دار نشر محلية ودولية، أتت تلك النسخة بعد مجهودات نوعية كبيرة من فاعلين ثقافيين وحوارات عميقة لتنظيم نسخة مغايرة للمعرض. 

 

وكان وزير الثقافة والإعلام حينها، فيصل محمد صالح، قد صرح في نسخة المعرض عام 2019م، بأنهم كانوا أمام خيارين نسبة لظروف البلاد؛ إما المضي في المعرض أو الاعتذار فآثروا الخيار الأول لتأكيد استقرار السودان وأن الحياة الثقافية في قمة عنفوانها. تجدر الإشارة، إلى أن نسخة السنة الماضية من المعرض، لم تشهد تقييد أو منع عرض الكتب التي لطالما تعرضت للهجوم والرقابة من قبل نظام الإنقاذ في المعارض السابقة، وهو ما دفع الكثيرين بالتفاؤل بأن ينفض المعرض غبار السنوات الماضية، ويتخفف من الرقابة.

 

لكن الآمال التي عُقدت على تقديم نسخ مختلفة عن المعرض لم تدم طويلاً، فبعد يومين فقط من انطلاق المعرض، أطاح قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالحكومة الانتقالية، الأمر الذي عجل بتعليق كل فعاليات المعرض، وجزء من هذا الإغلاق كان احتجاجاً على الانقلاب نفسه واعتقال أعضاء الحكومة الانتقالية؛ من رئيس الوزراء ووزير الثقافة والإعلام.

 

وصرح مدير المعرض في ذلك الوقت، حاتم الياس أن”الانقلابات العسكرية خصم طبيعى للمعرفة والثقافة ولا يمكن أن يقام المعرض في هذا الظرف الاستثنائي”. وتقدم الياس مدير المعرض، باعتذاره إلى دور نشر محلية ودولية وكل المشاركين في المعرض.

مستقبل ضبابي

يلقي ما شهده معرض الكتاب خلال الدورات الثلاث بظلاله على مستقبل هذه الفعالية ومدى مشاركة دور النشر المحلية والدولية بصورة خاصة، بحيث يتطلب الأمر مجهودات حثيثة لاستعادة ثقة هذه الدور واتحادات النشر الدولية. 


وتجدر الإشارة إلى أن ما يعيشه معرض الخرطوم، هو جزء من ضمن مشكلة كبيرة يعيشها السودان في قطاع النشر وتعاطي الدولة مع الثقافة، الأمر الذي يصاحبه إشكالات سياسية واقتصادية. هذا الأمر الذي حاولت النسخة الأخيرة من المعرض معالجته، بحيث كونت لجنة من مختصين للتنسيق والإشراف على المعرض، وحملت الدورة الماضية شعار “العودة إلى الكتاب” وهي المحاولة التي هدفت لإخراج الكتاب وقضاياه من سنوات الرقابة والمصادرة والتضييق على النشر، الذي شهد تراجعاً كبيراً خلال الفترة الماضية. 


وفي هذا السياق، يعود الناشر والوراق محمد عمر ويقول:”إن سوق الكتب في السودان لم يشهد تجديداً منذ ثلاث سنوات وذلك لغياب المعرض الذي يمثل فرصة ممتازة لمشاركة الدور المختلفة في هذه الفعالية، كما أنه فرصة للدور والمكتبات المحلية لتحقيق أرباح تساعدها في إنعاش مكتباتها بعناوين جديدة”.

ما يشهده معرض الخرطوم الدولي للكتاب من تغييب امتد لثلاث سنوات، وعدم توفر الدعم المادي والاهتمام الكافي، يدلل على موقع الثقافة في السودان، وطريقة النظر إليها كشيء ثانوي، وما غياب معرض الخرطوم الدولي للكتاب لثلاث دورات كاملة إلا دليلاً على هذا الأمر.

وفي ظل تحديات سياسية واقتصادية يعيشها السودان، فإن معرض الخرطوم للكتاب في حاجة ماسة من الجهد والموارد من أجل استعادة وضمان تحقيق أهدافه كتظاهرة ثقافية عابرة للحدود.

كيف تحولت المصارعة السودانية من طقس ثقافي بجبال النوبة إلى رياضة شعبية واسعة الانتشار؟

للوهلة الأولى التي تسمع فيها هتافات وتشجيع الجمهور، قد تعتقد أنك في حدث يخص كرة القدم، ولكن ما إن تقترب للساحة التي يحفها المشجعون، حتى ينكشف الأمر، فهناك مصارعان يتوسطان ساحة مفروشة بالرمل، ويتعاركان بالأيدي في سبيل إسقاط المنافس أرضاً والفوز بإحدى جولات المصارعة السودانية (الصُراع).

وللمصارعة (الصُّراع) تاريخ ضارب القدم في جنوب كردفان (إقليم جبال النوبة)، حيث بدأت من هناك كممارسة ثقافية وجزء من هوية المجموعات القبلية المختلفة وهي ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية كذلك.

ارتبط الصُراع في الأساس بالاحتفالات والمهرجانات المصاحبة لموسم الحصاد؛ ما بين أغسطس وديسمبر من كل عام. حيث تتضمن عرضاً فنياً يقدمه المتصارعون قبل المباراة. وجزء من هذه الثقافة، أن لكل مجموعة قبلية عدداً من المصارعين الشُبان التي تحرص على تدريبهم وخلق نظام غذائي متكامل (يتضمن اللبن الطازج واللحوم والعسل والسمسم) حتى يتمكنوا من منافسة المصارعين من المجموعات القبلية الأخرى.

فضاءات جديدة

مع الحروب الأهلية المتواترة التي شهدها السودان، والتي كان إقليم جنوب كردفان ضمن نطاقها، فإن الكثيرين بدأوا في النزوح منذ السبعينات، هرباً من ويلات الحروب، وبحثاً عن مساحات جديدة وآمنة. وحملت حركة النزوح، التي كانت إلى عدد من الولايات الأخرى، ولكنها تمركزت في العاصمة الخرطوم وأطرافها بصورة كبيرة، علاوة على تراث وثقافة وطقوس  المجموعات النازحة، مثل الرقصات ومنها (الكرنك، الكمبلا) وكذلك المصارعة. لتلقى الأخيرة إقبالاً واسعاً كرياضة، ولاحقاً انشأت العديد من حلبات المصارعة في منطقة الحاج يوسف (شرق النيل) ومنطقة أبو حمد (مدينة أمدرمان) حيث يتجمع فيها جمهورمتنوع من السودانيين والأجانب مرتين كل أسبوع من أجل الفرجة وتشجيع المصارعين.

صاحب تحول المصارعة من كونها ممارسة ثقافية إلى رياضة تغييراً في بعض قواعدها، وحتى الطريقة التي يتزين بها المصارعون (الفرسان كما يطلق عليهم في جبال النوبة) وأصبح لهذه الرياضة قوانين وقواعد تحكمها، كما وأنه تأسس اتحاد المصارعة السودانية الذي يشرف عليها. وصار انتماء اللاعبين إلى أندية وليس إلى مجموعاتهم القبيلة التي يتحدرون منها.

ونظراً للتشابه الكبير بين المصارعة السودانية ومصارعة السومو اليابانية، فقد شهدت ساحات المصارعة السودانية مشاركة بعض اليابانيين فيها، ومن ضمنهم الدبلوماسي الياباني ياسوهيرو موروتاتسو في عدة مناسبات.

في مارس الماضي، اختتمت بمدينة خشم القربة (ولاية كسلا) الدورة الخامسة لبطولة الجمهورية للمصارعة. الفعالية التي بدأ الاتحاد الرياضي السوداني للمصارعة في تنظيمها لأول مرة في العام 2017م بمدينة الخرطوم، لتصبح بعدها محفلاً سنوياً شهدته كل من: ولايات القضارف، كسلا، النيل الأزرق ثم كسلا مرة أخرى في مارس 2022م. حيث جاءت البطولة تحت شعار “بالمصارعة نعزز السلام” وشاركت فيها ست ولايات؛ وهي: جنوب كردفان – النيل الأبيض – القضارف – الخرطوم – البحر الأحمر وكسلا) فيما اعتذرت ولايات غرب وشمال كردفان، وسنار والشمالية والنيل الأزرق.

مشاركات دولية

خلال الأعوام الماضية، شارك منتخب السودان للمصارعة في عدد من البطولات الأفريقية والعربية، واستطاع المنتخب، أن يظفر بعدد مقدر من التتويجات والميداليات؛ ميداليتين برونزيتين في البطولة الأفريقية في نيجيريا عام 2018م، وخمس ميداليات أخرى بالبطولة العربية في شرم الشيخ (جمهورية مصر العربية). وعزز المنتخب من خبرته ومشاركته العالمية ليتوج ذلك بحصد 12 ميدالية في البطولة العربية 2019م وبطولة إبراهيم مصطفى الدولية.

وشهد مايو الماضي اختراقاً جديداً للمصارعة السودانية في المحافل الدولية، حيث حققت لاعبة المصارعة السودانية، باتريسيا سيف الدين، وهي أول مصارعة تشارك في بطولة خارجية، المركز الثالث والميدالية البرونزية في وزن 68 كجم خلال البطولة الأفريقية التي استضافتها المغرب بمشاركة 34 دولة.

وتجدر الإشارة إلى أن باتريسيا هي واحدة ضمن فتيات كثر انخرطنْ في رياضة المصارعة، ضمن مشروع اكتشاف المواهب، البرنامج الذي ينظم بشراكة بين اللجنة الأولمبية الدولية والاتحادات الدولية، الأمر الذي استفاد منه اتحاد المصارعة في العام 2018م.  وحجزت باتريسيا أحد المراكز الأولى ضمن برنامج المواهب، وهي تخوض استعداداتٍ للمشاركة في أولمبياد باريس 2024م.

أجيال جديدة

عزز ازدهار المصارعة وقدرتها على خلق جمهور من كل الفئات العمرية من ضرورة وجود مؤسسات ترعى وتقدم التدريب للأجيال الشابة من الجنسين، وهو ما شرع فيه اتحاد المصارعة بتنظيمه دورة الفنون القتالية للبنين والبنات (ما بين 7 – 19 سنة) في سبيل تطوير رياضة المصارعة عبر توفير التدريب والمهارات اللازمة لها. 

وشهد يوليو من العام الماضي، إقامة الدورة الخامسة من مشروع مدرسة الفنون القتالية، المشروع الذي يستهدف طلاب وطالبات المدارس، حيث شارك 150 طالباً وطالبة من مدرستي الوحدة الوطنية أساس بنين وبنات (شرق النيل). وينفذ المشروع بواسطة الاتحاد الرياضي السوداني للمصارعة عن طريقة شراكة مع المركز الدولي للفنون القتالية (دولة كوريا الجنوبية) تحت رعاية منظمة اليونسكو.

انتشار المصارعة وتحولها من نشاط اجتماعي وطقوسي ارتبط بمواسم الحصاد والاحتفالات في إقليم جبال النوبة، إلى رياضة تنتشر في أرجاء السودان المختلفة، ويتابعها جمهور متنوع، يُقدّم ملمحاً عن التداخل الثقافي بين كقيمة تعتمد على انفتاح هذه الثقافات على بعضها البعض.