Category: سياسي

توترات حدودية مستمرة.. ما قصة سيادة السودان على الفشقة؟

جددت تصريحات أدلى بها قائد القوات البرية، عصام الدين كرار، يوم الأربعاء الماضي، حول سيطرة القوات المسلحة على الوضع في منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، التساؤلات حول طبيعة وتاريخ التوترات الحدودية بين الخرطوم وأديس أبابا.

تلقي (بيم ريبورتس)، في هذا التقرير، الضوء، على تاريخ تخطيط الحدود السودانية الإثيوبية بالتركيز على مثلث الفشقة، وكيف بدأ الخلاف حولها.

رغم الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على منطقة الفشقة على مر الحقب الحديثة إلا أنه ومع إعلان الجيش السوداني، في نوفمبر 2020م، ما سماها، عملية انفتاح على الحدود الشرقية، بدأ الاعتراف الإثيوبي بسيادة السودان على مثلث الفشقة الغني بالأراضي الزراعية الخصبة، محل شك من قبل أديس أبابا.

وجاءت العملية التي وصفها الجيش السوداني، بأنها إعادة انتشار وانفتاح على حدود البلاد الشرقية، بالتزامن مع إطلاق أديس أبابا من جهتها عملية عسكرية بإقليم تغراي شمالي البلاد. كما أتت التطورات على الحدود، في ظل تنامي الخلافات حول سد النهضة بين السودا، إثيوبيا ومصر.

أين تقع الفشقة؟

تقع الفشقة في ولاية القضارف شرقي البلاد، وتمتد من منطقة نهر سيتيت، وحتى منطقة القلابات جنوبي القضارف. وتضم الفشقة أخصب الأراضي الزراعية في السودان. وتنقسم إلى ثلاث مناطق أصغر؛ وهي: الفشقة الكبرى والفشقة الصغرى والمنطقة الجنوبية.

تبلغ مساحة الفشقة 5,700 كلم، وتعتبر أخصب الأراضي بالسودان. تحتكر الفشقة مسافة 168 كيلو متر من الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا البالغ طوله 265 كلم.

التطورات الأخيرة:

خلال العملية العسكرية للجيش السوداني بالفشقة، تبادلت الحكومتان الاتهامات، حيث قال المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإثيوبية (دينا مفتي) ، إن “الجيش السوداني تخطى الحدود مع إثيوبيا انتقاماً من المليشيات الإثيوبية التي هاجمت المزارعين السودانيين”. في السياق نفسه، اتهم السفير الإثيوبي بدولة الإمارات (سليمان ديدافو) الجيش السوداني بالدخول في حرب مع إثيوبيا بالوكالة عن مصر – لتصوير السودان كمناصر لمصر ضد تشييد سد النهضة-. 

بالمقابل قال وزير الثقافة والإعلام السوداني الأسبق ، (فيصل محمد صالح)، إن السودان حريص على عدم اللجوء للحرب سواء مع إثيوبيا أو غيرها من الدول الأخرى. 

غير أن عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق، محمد الفكي سليمان رد بالتفصيل على اتهامات الحرب بالوكالة قائلاً: 

  • منطقة الفشقة سودانية، وطالبنا إثيوبيا بالانسحاب من نقطتين على الحدود بين البلدين.
  • لا نقوم بهذه الحرب وكالة عن أحد وهذه أكاذيب محضة، لم نتخذ قراراً بالحرب، ولكن من حقنا الانفتاح حتى آخر نقطة حدودية داخل أراضي السودان.
  • نستطيع أن نخوض حرباً، لكن الأولوية للحل السياسي وقرار الانفتاح شرقاً تم بموافقة مجلس الأمن والدفاع بكامل عضويته.
  • مجلس الأمن والدفاع السوداني هو الذي يوصي بإعلان الحرب وليس هنالك إعلان حرب على إثيوبيا.

أيضاً قال القائد العام للجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، إنه اتفق مع الرئيس الإثيوبي على تأمين حدود البلدين إبان (عملية إنفاذ القانون)، وأن ما قام به الجيش السوداني هو فقط تأمين للحدود وليس حرباً.

خلفية تاريخية:

بدأت الاشتباكات بين السودانيين والإثيوبيين عندما قاد شخص يدعى “كنفي” – يتبع لقومية الأمهرا- هجوماً على جبل أبو طيور، وسيطرت مليشياته على مساحة شاسعة في الفشقة الكبرى، بما فيها جبل أبو طيور، و كان ذلك في العام 1968م. بعدها بعام واحد، حررت الشرطة السودانية بمعاونة الأهالي المحليين المنطقة. في عام 1972م، اتفق البلدان على إعادة تخطيط الحدود بينهما عبر اتفاق موقع  من قبل وزيري الخارجية بالبلدين.

احتلال إثيوبي:

في عام 1996م، احتلت القوات الإثيوبية مساحات واسعة من أراضي الفشقة، بالتزامن مع اشتداد وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان. 

بجانب انسحاب الجيش السوداني من الحدود الشرقية، لإسناد القوات المقاتلة في الجنوب، حيث مثلت المحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، في أديس أبابا عام 1995، والتي اتهمت بها الخرطوم، دافعاً إضافياً للنظام الإثيوبي لاحتلال الفشقة.

ومع كل عملية هجومية ظلت تشنها مليشيات (فانو)، و (الشفتة) وغيرها من المليشيات التي تتبع لقومية الأمهرا؛ تتبع السلطات الإثيوبية سياسة تتبرأ بها من إحتلال الفشقة، بإلقاء اللائمة على تلك المليشيات بينما تستنكر هذه الهجمات و تدعي أنها لمليشيات لا علاقة لها بها.

بالعودة إلى الوضع الحدودي على الأرض بين السودان وإثيوبيا، عادةً ما يتم تداول مصطلح “إعادة ترسيم”، هذا المصطلح خاطئ؛ لأن ترسيم الحدود تم مسبقاً، أما ما يمكن الحديث عنه حالياً، هو تخطيط الحدود، وهو ببساطة يعني إظهار الترسيم المتفق عليه.

الإطار القانوني للحدود السودانية الإثيوبية:

بنيت حدود السودان وإثيوبيا الحالية على معاهدة (أنجلو-إثيوبيا) الموقعة في عام 1902م بين بريطانيا -إبان سيطرتها على الأراضي السودانية- وإثيوبيا إبان حكم الإمبراطور (منليك الثاني). 

نصت المعاهدة على تعريف الخط الحدودي الفاصل بين البلدين كالتالي:

“يسير من خور «أم حجر» إلى «القلابات»، فالنيل الأزرق فنهر بارو فنهر بيبور ثم نهر أكوبو حتى مليلي، ومنها إلى نقطة تقاطع خط عرض 6 شمالا مع خط طول 35 شرق جرينتش” ، تم رسم خط الحدود بالخط الأحمر في الخريطتين الملحقتين بالاتفاق.

جاءت هذه الاتفاقية تبعاً لخطاب أرسله الإمبراطور (منيليك الثاني) للقادة الأوروبيين، محدداً فيه حدود إمبراطوريته، حيث ذكر أنها تمتد غرباً حتى كركوج على النيل الأزرق بأواسط حدود السودان الحالية. الخريطة أدناه تعرض الخريطة المرفقة مع المعاهدة المذكورة، و يتضح فيها الخط الأحمر الذي يمثل الشريط الحدودي بين البلدين.

عادة ما يعترض الإثيوبيون على هذه الاتفاقية وينكرون توقيعهم عليها قائلين بأنها من حقبة الاستعمار، لكن الحقيقة أن الإمبراطور (منليك الثاني) كان موافقاً عليها وتعهد بالمادة الثانية من المعاهدة على “عدم تشييد أو السماح بتشييد أي عمل على النيل الأزرق وبحيرة تانا أو نهر السوباط”، بينما كان السودان تحت سيطرة التاج البريطاني ولم يكن له كامل الإرادة من التوقيع أو عدمه. و بناء على هذه المعاهدة كسبت إثيوبيا أراضي بني شنقول الغنية بالمعادن، بينما اعترفت المعاهدة بأن أراضي الفشقة سودانية.

نصت المعاهدة أيضاً على تشكيل لجنة لترسيم الحدود بين البلدين، و تم ترسيم الحدود في عام 1903م عن طريق الرائد الايرلندي (قُوِين) الذي استخدم صخوراً ضخمة يصل طولها لثلاثة أمتار، بالإضافة إلى بعض الأنابيب المعدنية في بعض الأحيان. بدأ (قوين) ترسيم الحدود في ديسمبر 1902م من تقاطع خور الرويان مع نهر ستيت، وانتهى في يوليو 1903م في مليلي.

صورة تظهر ترسيم الرائد (قوين) للحدود بمنطقة (قلعة الزراف) بالعام 1903 مصدر الصورة: نور طه حسن (1971) دراسة عن الجغرافيا السياسية بالحدود السودانية-الاثيوبية

دأبت السلطات الإثيوبية على استخدام حجة أن الرائد (قوين) رسّم الحدود منفرداً دون رفقة إثيوبية أو تصريح من الإمبراطور، إلا أن (قوين) نفسه ذكر في تقريره الأخير أن “الإمبراطور (منليك الثاني) أعطاه وثيقة تفوضه ليرسم الحدود بالإنابة عن إثيوبيا”. فضلاً عن ذلك، فقد ذكر (اللورد كرومر) -قنصل بريطانيا في مصر- في برقية أرسلها إلى ممثل ملكة بريطانيا في روما بتاريخ 17 نوفمبر 1902م “أفاد (هارينجتون) -ممثل بريطانيا في أديس أبابا- أنه إذا تم توظيف الرائد (قوين)، فإن الإمبراطور (مينليك) لا يريد إرسال أي مندوب. فلديه ثقة كاملة في الرائد قوين وسيصدر أوامر باحترام الحدود التي سيحددها”. 

بالإضافة إلى ذلك، أقرت اتفاقية 1972م الموقعة بين البلدين باعتراف إثيوبيا بالحدود التي رسمها (قوين). و في يونيو من العام 2015م، أقر نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإثيوبي ديمكي مكونن ، بأن الفشقة سودانية الملكية. فقد ذكر أن الأراضي التي احتلتها إثيوبيا في عام 1996م تم إرجاعها للسودان، دون ذكر المساحة التي أرجعت.

خريطة توضح الحدود بين السودان و إثيوبيا بعد تخطيط (قوين)

الحدود مع إريتريا

كانت دولة إريتريا مستعمرة إيطالية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث آلت بعدها لتكون تحت السيطرة الإثيوبية حتى استقلالها في عام 1993م.

وبما أن إريتريا كانت مستعمرة إيطالية، فقد تم ترسيم حدودها مع السودان وفقا لمعاهدة بالعام 1891م بين إيطاليا وبريطانيا. لم تشهد الحدود السودانية الإريترية خلافاً يذكر بين البلدين كما هو الحال بين السودان وإثيوبيا.

صورة توضح الحدود التي حددتها اتفاقية ايطاليا و بريطانيا بالعام 1891م

المبادرة الإماراتية والموقف السوداني:

تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة بمبادرة لحل ما أسمته “النزاع بين السودان وإثيوبيا”. تضمنت المبادرة تقسيم أراضي الفشقة للفائدة الزراعية للسودان وإثيوبيا، بالإضافة إلى الإمارات. 

لم يتم الإعلان عن تفاصيل المبادرة، لكن العديد من التسريبات اتفقت في المضمون، حيث اقترحت تقسيم الأراضي بنسبة 25 بالمئة من الأراضي للسودان، ومثلها لإثيوبيا، والنصف المتبقي يؤول استثمارياً لدولة الإمارات.

في أبريل من العام 2021م، رفض مجلس الأمن والدفاع السوداني هذه المبادرة -حسبما ذكر مصدر بالمجلس لصحيفة الشرق الأوسط-، مبرراً رفضه قائلا: “السودان لن يقبل أي مبادرة تتضمن نسباً، أو تقاسم أراضيه التي استردها من إثيوبيا، وموقف السودان الموحد هو وضع العلامات الحدودية بين الدولتين، قبل بدء أي تفاوض يتعلق بقضايا أخرى”.

المشروعات التي أقامتها القوات المسلحة بالفشقة أخيراً

استهدفت القوات المسلحة السودانية إنجاز عدة المشروعات بمنطقة الفشقة، حيث ذكرت في صفحتها الرسمية على فيسبوك في أبريل 2021م، استهدافها إنشاء (6) جسور، ومعدية، و مد (310) كلم من الطرق المعبدة، و (42) معبر خرساني، و (11) محطة مياه. ولكن على الصعيد الرسمي لم يتم الإعلان إلا عن افتتاح جسرين فقط، إبان زيارة رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك في أغسطس 2021م بمعية القائد العام للقوات المسلحة، حيث افتتحا جسر (ود عاروض) الذي يربط بين شرق و غرب الفشقة الصغرى، بالإضافة إلى جسر (ود كولي).

عادة تذكر صفحة القوات المسلحة عبارة “مشروعات تنموية بالفشقة”، تواصل فريق البحث في (بيم ريبورتس) مع مصدر محلي مطلع بالفشقة. ذكر المصدر أن جسري (ود كولي) و (ود عاروض) خدما التنمية بالمنطقة فعلاً، لكن تخطيط إنشائهما لم يكن لأغراض التنمية، بل كان عسكريا بإمتياز نظرا لأن إختيار مواقع إنشاء الجسور لم يراع للتوزيع الجغرافي للقرى غرب نهر عطبرة، بل اعتمد على إنشاء الجسور بالقرب من المناطق التي يتمركز فيها الجيش.

الفشقة لم تحرر بالكامل:

حتى لحظة نشر التقرير، ترابط القوات المسلحة السودانية في منطقة الفشقة شرقي السودان. أكد مصدر محلي لـ(بيم ريبورتس)، أن القوات المسلحة السودانية لم تحرر الفشقة بالكامل، ولم تُعِد الأراضي المحررة لمالكيها من السكان المحليين. أيضا، ذكر القائد العام للقوات المسلحة السودانية إبان احتفاله بالعيد (67) للقوات المسلحة السودانية في أغسطس الماضي، أنه قد تبقت 7 “جيوب” قال إن القوات المسلحة ستستردها.

سيدي اوشكور

كيف قاومت بورتسودان محاولة (حميدتي) صياغة مشهد جديد للشرق؟

وسط احتجاجات قادتها تنسيقيات لجان المقاومة عمت المدينة رفضاً لزيارته، وصل قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو حميدتي، يوم الثلاثاء الماضي، إلى مدينة بورتسودان، عاصمة ولاية البحر الأحمر شرقي البلاد.

رغم إعلانه أن زيارته إلى بورتسودان، تقتصر على تطوير الموانئ، إلا أن جدول برنامجه حفل باجتماعات مكثفة مع زعماء الإدارات الأهلية، في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف من أنه قد يتخذ قرارات تتعلق بالموانئ البحرية وربما المضي قدماً فيما صرح به في وقت سابق، مطلع الشهر الحالي، عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، ما يجعل زيارته محل تساؤلات وسط الرأي العام السوداني.

واستبقت تنسيقات لجان مقاومة بورتسودان زيارة حميدتي، بالإعلان عن قيام تظاهرات وإغلاق الطرقات، ورأت في بيان وقتها، أن الزيارة تهدف إلى خصخصة وبيع موانئ الولاية.

لكن عقب وصوله إلى مطار بورتسودان، ذكر حميدتي في تصريحات صحفية، إنه جاء ليقف على قضايا ومشاكل الميناء، والسعي لحلها. بينما يقول أحد الناشطين في قضايا الشرق لـ(بيم ريبورتس)، إن “شبح بيع وخصخصة الموانئ لم يبارح الأذهان منذ عهد النظام المخلوع”.

وأشار إلى أن “موضوع الموانئ أحد الأجندة الرئيسة لزيارته، لكن لا يوجد جديد في هذا الأمر، فيما يلي مخاوف الخصخصة والبيع، بالإضافة إلى أنها باتت تعاني من تدهور كبير، بسبب الإغلاق والانقلاب”.

Port Sudan Container Terminal (Sudan)

إغلاق الشرق

في خضم توترات سياسية، كانت تعصف بالفترة الانتقالية، بدأ في 17 سبتمبر الماضي، أنصار الناظر العشائري محمد الأمين سيد ترك، في إغلاق شرق البلاد، بما فيها الموانئ لاحقاً، والتي لم يُعاد فتحها إلا بعد انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

وتسببت أزمة إغلاق الشرق، فضلاً عن أنها مهّدت للانقلاب، في خسائر مالية واقتصادية فادحة، طالت جميع القطاعات، بالإضافة إلى خسارة ميناء بورتسودان لسمعته التجارية.

ورغم أن تلك الاحتجاجات كانت تُحظى بتأييد ودعم المكون العسكري في الحكومة الإنتقالية، وتسببت في تدهور عمل الموانئ والاقتصاد عموماً في البلاد، إلا أن حميدتي ألقى باللائمة في تدهور الموانئ، ضمن زيارته إلى بورتسودان، باللائمة على الحكومة الانتقالية السابقة، التي كانت قد بدأت مشروعات طموحة في تحسينها.  

وتثير زيارة حميدتي إلى المدينة الساحلية، المخاوف، بخاصة أنها عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها في مطار الخرطوم الدولي، بعد عودته من موسكو في الثاني من مارس الحالي، أشار فيها إلى أنه لا يُمانع في إنشاء قاعدة عسكرية روسية، أو غيرها من البلدان، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الرأي العام، بينما التزمت القوات المسلحة الصمت إزاء تصريحاته.

وفي الوقت الذي كانت الموانئ والاجتماعات مع القادة العشائريين بنداً رئيسياً، ضمن برنامج زيارته إلى بورتسودان التي امتدت لخمسة أيام، لم يزر قاعدة فلامنجو البحرية حسب متابعات (بيم ريبورتس).

في جولته على الموانئ، زار حميدتي الميناء الجنوبي (ميناء الحاويات)، و الميناء الشمالي (ميناء السيارات والبضائع الصب (الحبوب)، وميناء الخير للمشتقات البترولية، وميناء بشائر وميناء عثمان دقنة. أيضاً قال إنه وجه باستئناف العمل في ميناء هيدوب لصادر الماشية. كذلك افتتح حميدتي أكاديمية السودان البحرية، وهي في الأصل تتبع لهيئة الموانئ البحرية.

كما التقى حميدتي بالإدارات الأهلية لمكونات الشرق كل على حدة، فيما بدا كأحد البرامج الرئيسية لزيارته، وقال أصدرنا قرارات بشأن الحدود بين القبائل والنظارات، وسننفذ كل مطالبكم، ولكن لابد من المساعدة في تطوير منطقتكم بإزالة التناحر والخلافات.. وعودنا حقيقية وليست سياسية، وكل إنسان ياخذ حقه الأدبي، خاصة وأن السودان كله حواكير، ولكن ينبغي أن يعيش الناس فيها مع بعض، وذلك إذا أردنا تطوير دولتنا”.

لكن زيارة حميدتي إلى بورتسودان، التي بدت من نواحي عدة، تحصيل حاصل، ومحاولة لخلق قاعدة انتخابية وسط الإدارات الأهلية، واجهت رفضاً شرساً من مجتمعات الشرق، ليس في حدود قضايا الإقليم، وإنما في إطار أكثر قومية، وفق ما يقول ناشطون في قضايا الشرق لـ(بيم ريبورتس).

هتافات قومية في مواجهة مساعي التقسيمات الإثنية

“السلطة سلطة شعب.. والثورة ثورة شعب.. والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”، هكذا هتف عضو لجنة المقاومة آدم أبو بكر في وجه حميدتي، خلال مخاطبته لإحدى المكونات المجتمعية بمدينة بورتسودان. في نشاط آخر له مع مكون آخر، كان على (حميدتي) الاستماع لنفس الهتاف، لكن هذه المرة من عضو المقاومة سيدي أوشكور.

وقال أبو بكر لـ(بيم ريبورتس)، إنه برصد الأحداث والوقائع منذ فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم في يونيو 2019 م، فإن المجلس العسكري بشكل عام يشكل خطراً على البلاد.

“دافعي للهتاف ضد حميدتي، كان يتمثل في أن (جيش حميدتي)، كمنظومة ذات وضع مختل فإنها تشكل خطر كبير جداً، وأيضاً للوقوف أمام محاولته بالتغلغل الاجتماعي، وهذا الأمر لديه مآلات خطيرة، خاصة وأنه ظل يكسب مؤيدين”، يوضح أبو بكر في إفادته لـ(بيم ريبورتس).

وأكد أبو بكر ، أن هتافاته جاءت أيضاً رفضاً لتكريم (حميدتي)، وتساءل “لماذا يكرم؟ ماذا قدم؟ كما أنه لا يجب أن يكون مقبولاً، وسط أجيال الثورة، أن يتم التعامل مع المسؤولين وفقاً لهذه الطريقة، يجب أن نتخلى عن تلك الثقافة القديمة.. ما يربطنا بالمسؤولين فقط، الحقوق والواجبات”. 

“ما قمت به كان مغامرة، لكنني كنت مؤمن تماماً أن صمتنا سيكون على حساب مجتمعاتنا.. لاحقاً، فتح هذا الأمر نقاشاً ومثل بؤرة للوعي بالقضايا والحقوق.. دافعت عن فكرتي بعدم استحقاقه التكريم، وبدأ الناس بالفعل يفكرون في جدوى تكريمه، بدأوا ينظرون بواقعية إلى تكريم الرجل الثاني في الدولة، دون أن يُقدم لهم شيئاً، وهي في الأصل حقوقهم، على أنه كان عملاً بلا جدوى”، يضيف أبو بكر.

ورأى أنهم كانوا حريصين على توثيق تلك اللحظة بالاتفاق مع زميله سعد الدين، لإيضاح الصورة الحقيقة، مشيراً إلى أنهم لو كانوا صمتوا لكانت نتيجة مخاطباته ستكون أسوأ على المجتمعات، لكننا قاومناه.

خطاب الأرض

“(خطاب الأرض) موجود في شرق السودان، إلا أنه لا يوجد صراع في هذه المسألة”، يقول أبوبكر حول خطوة تقسيم الحدود الإدارية بين المجموعات الإثنية في شرق السودان، مضيفاً “لكنه يهدف من ذلك ـ حميدتي ـ  إلى تقسيم المجتمعات والتركيز على التناقضات، وهي  لعبة سياسية قديمة”.

وحذر أبو بكر من عواقب محتملة لهذه العملية، مؤكداً أنه أيضاً يسعى ويهدف لخلق حواضن للانتخابات، بجانب التجنيد والانفتاح على المناطق الغنية بالمعادن، مثل منطقة (أوسيف) التي زارها،

غير أنه  أشار إلى أن  لجان المقاومة هي الجسم الوحيد الذي يجد إجماعاً ويمكن أن يساهم في توحيد مجتمعات الشرق.

زيارة (حميدتي) إلى بورتسودان، والتي امتدت لخمسة أيام، تأتي تكملة لتحركاته أخيراً في ملف الشرق، حسبما يعتقد مراقبون. 

“بعد الانقلاب، وقبل شهرين تحديداً، بدأ حميدتي يعيد النظر في مسار الشرق”، يقول الناشط في قضايا الشرق، عثمان محمد صالح، لافتاً إلى أن الأطراف المتصارعة في الشرق “مجموعة المسار ومجموعة ترك” الاثنان وقفوا مع الانقلاب، والانقلاب يريد أن يكافئهم على ذلك.

وأشار صالح في حديث لـ(بيم ريبورتس)، إلى أن حميدتي عقد اجتماعات مطولة، أفضت إلى اتفاق برعاية مجلس السيادة، تم بموجبه تشكيل عدد من اللجان بينها لجنة لإنفاذ (القلد)، موضحاً أن اللجنة مكونة من الطرفين: (المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة) “مجموعة ترك”، والمجلس الأعلى للإدارات الأهلية  فيه نُظّار آخرين. 

ويعتقد صالح، أن الحديث عن مراجعة الحدود، أو ترسيم الحدود بين المجموعات الإثنية (القبائل)، هي محاولة لإيجاد حواكير رسمية، رغم أنها موجودة عرفاً منذ أزمان قديمة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يعكس أزمة كبيرة وعلى الدولة أن تنتبه، خاصة وأن حميدتي يحاول استنساخ صناعة أزمة الحواكير، التي فجرت الصراع الدامي والمرير في دارفور.

ويوضح صالح، أن قضية الشرق تم استخدامها كمخلب قط لإفشال الفترة الانتقالية، وقال “عملياً نحن أمام واقع مأزوم، اتفاق سلام أجج الصراع الاجتماعي، وتنامي خطاب الكراهية في الإقليم، بجانب أن السلطة منحازة لطرف دون الآخرين”.

مغادرة شركات الملاحة

 وفيما يتعلق بالموانئ، يقول صالح، إن الموانئ واحدة من المشاكل الكبيرة، ويجب اعتبارها والتعامل معها كقضية قومية، تسبب الانقلاب بجانب الإغلاق، في مشاكل أكثر تعقيداً، بجانب المشاكل والعيوب الفنية.

وحول تصريحات حميدتي بأنه وجه بعمل الموانئ لـ24 ساعة، قال إنه بالأساس توجد 3 ورديات، في وقت غادر وكلاء لشركات ملاحة الدولية الميناء.

“حميدتي فشل في أن يلتقي أي قوى سياسية ولا يمكن وصف زيارته، بأنها زيارة سياسية، لم يلتقي المجتمع المدني، وانحصرت لقاءاته مع قيادات الإدارة الأهلية، وهي تتعلق بنظرته ربما للانتخابات”، يشير صالح.

مهددات للنسيج الاجتماعي

“في ما يتعلق بترسيم الحدود ، ذكر أولاً في (القلد) في أعقاب الاقتتال الأهلي الذي شهدته بورتسودان في 2020م، كما ذكر أيضا فيما عُرف بمقررات سنكات”، يقول الناشط في قضايا الشرق، خالد محمد نور.

ويضيف لـ(بيم ريبورتس): “برأيي أن هذه الخطوة خطيرة جداً وتهدد النسيج الاجتماعي لشرق السودان، وهي سابقة خطيرة” مشيراً إلى أن كل المجموعات المتصارعة والتي أججت الفتن القبلية هي الآن داعمة للانقلاب.

ورأى نور أن، إضافة ترسيم الحدود الإدارية بين الولايات، لم يعد عندها معنى الآن، مشيراً إلى أن الخطوات بدأت تأخذ خط رجعة، مشيراً إلى أن خط حميدتي، هو العمل مع الإدارات الأهلية التقليدية، ضمن عمل انتخابي.

وقال “بالرغم من أنه تم تكريمه من عدة جهات، لكنه لم يتحرك سياسياً. ورغم ضعف تحركاته السياسية، إلا أنه بالمقابل المجتمع المدني ضعيف جداً حالياً”، مضيفاً “لكن لجان المقاومة تعمل وتمتد بشكل مؤثر وهي قادرة على الاضطلاع بدور مهم، والجميع يراهن عليها في هذا السياق”. 

وفيما يتعلق بنفي حميدتي المشدد للخصخصة، وأنهم يسعون فقط للتطوير، قال نور إن الشواهد تكذب حديثه ـ من ضمنها حوار صحفي لوالي البحر الأحمر يعضّد فيه الاتجاه للخصخصة .

وأضاف “نفيه للخصخصة برأيي هو ذر للرماد في العيون وردة فعل لتحركات العمال ولجان المقاومة”.

خمسة أيام قضاها (حميدتي) في بورتسودان ـ حسب ما أعلن، لإعادة صياغة مشهد الشرق، الذي يتحكم فيه من جهتين؛ مرةً من خلال مسار الشرق في اتفاق سلام جوبا، ومرةً أخرى من خلال القادة العشائريين الموالين له، لكن صوت الاحتجاجات كان عالياً ويحاصره أينما ولىّ وجهه حتى وهو بين مؤيديه، لتستحيل زيارته في نهاية المطاف، إلى كلمات نافية تحاول تبرير أهداف الزيارة على أنها، لا تخفي شيئاً ورائها. 

بعد اتهامات (حميدتي).. من المتسبب في إيقاف الدعم والمساعدات الدولية؟

اتهم نائب رئيس مجلس السيادة في السودان، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ـ أشخاص لم يسمهم ـ قال إنهم تسببوا في إيقاف منح مالية من السعودية والإمارات بقيمة مليارين ونصف المليار دولار، من أجل الوصول للسلطة، في إشارة إلى الحكومة الانتقالية السابقة.

وأضاف حميدتي، في تصريحات صحفية يوم الأحد الماضي، أن أولئك الأشخاص، الذين لم يسمهم، الآن أوقفوا منح صندوق النقد الدولي، في سياق حديثه الذي بدا مرتبكاً وغير مرتب.

وجاءت تصريحات حميدتي، عقب اجتماع “اللجنة الاقتصادية العليا” التي يرأسها، وفي خضم أزمة اقتصادية عاصفة تعيشها البلاد منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

وعقب أيام من إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في أبريل عام 2019م، أعلنت السعودية والإمارات عن تقديم دعم مالي قيمته 3 مليارات دولار للسودان. 

وقالت وكالة الأنباء السعودية وقتها، إن البلدين سيقومان بتقديم حزمة مشتركة من المساعدات لجمهورية السودان، يصل إجمالي مبالغها إلى ثلاثة مليارات دولار.

وأضافت الوكالة السعودية الرسمية، أن المنحة تشمل “500 مليون دولار مقدمة من البلدين كوديعة في البنك المركزي لتقوية مركزه المالي، وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني، وتحقيق مزيد من الاستقرار في سعر الصرف.

وتابعت “كما سيتم صرف باقي المبلغ لتلبية الاحتياجات الملحة “للشعب السوداني الشقيق” تشمل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية”.

وفي مارس عام 2021م، أعلنت وكالة الأنباء السودانية، أن المملكة العربية السعودية، أودعت مبلغ 750 مليون دولار لدى البنك المركزي في الخرطوم، خلال زيارة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك للرياض، مشيرة إلى 500 مليون دولار من هذا المبلغ ستخصص لشراء القمح والدواء، وذلك في إطار حزمة مساعدات اقتصادية أُعلنت للمرة الأولى في 2019م.

وإبان استيلاء المجلس العسكري الانتقالي، على السلطة في البلاد بين أبريل وأغسطس عام 2019م، أعلن عن استلام وديعة بمبلغ 500 مليون دولار.

وحسب ما تم الإعلان عنه رسمياً، فقد استلم السودان بالفعل مليار ومئتي وخمسين مليون دولار من المنحة السعودية الإماراتية، 500 مليون منها أودعت في البنك المركزي، في فترة حكم المجلس العسكري أبريل ـ أغسطس 2019، و750 تسلمتها الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق، من المملكة العربية السعودية.

أما فيما يتعلق بمنح صندوق النقد الدولي، فقد أوقف تعاونه مع البلاد، عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي بيومين.

وفي سبتمبر الماضي، زار رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس، السودان للمرة الأولى، لرئيس هذه المؤسسة الدولية المالية منذ 40 عاماً. 

وقال مالباس وقتها، إن الحكومة الانتقالية قامت بإصلاحات، وصفها بالشجاعة.

ورعى البنك الدولي، ضمن حزمة إصلاحات للتشوهات الاقتصادية، بالاتفاق مع الحكومة الانتقالية، برنامج دعم الأسر الفقيرة (ثمرات)، بمعدل 5 دولارات للفرد، البرنامج أيضاً توقف عقب الانقلاب، والذي كان من المفترض أن يُقدم 500 مليون دولار إضافية.

وعقب انقلاب 25 أكتوبر، جمّد كل من صندوق النقد والبنك الدوليين نشاطهما ومساعدتهما للسودان، كما جمدت الولايات المتحدة منحة بـ750 مليون دولار.

خسر السودان أيضاً حوالي 2 مليار دولار من البنك الدولي ومؤسسة التنمية الدولية لدعم 9 قطاعات، بينها الصحة والكهرباء، بالإضافة لمليار دولار دعم إضافي من البنك وصندوق النقد الدوليين، كان من المنتظر استلامها في نهاية العام الماضي.

وأيضاً توقفت عقب الانقلاب، عملية إعفاء 40 مليار دولار من ديون السودان الخارجية الذي كان من المنتظر أن تكتمل في بدايات العام الحالي.

علاوة على ذلك، فقد أوقفت الولايات المتحدة منحة قمح للبلاد تُقدر بـ 1.2 مليون طن قمح، أستلم منها 250 ألف طن قبل الانقلاب.

وكانت وزارة العدل السودانية، في عهد الوزير نصر الدين عبد البارئ،  أكدت أنه بموجب قانون (الحصانة السيادية) للسودان الذي أقره الكونغرس، فإن البلاد ستحصل على مساعدات مباشرة وغير مباشرة بمبلغ 1,1 مليار دولار أميركي. 

أيضاً علق عبد البارئ، على مسألة توقف المساعدات الدولية، في حسابه الرسمي على موقع تويتر فيما بدا أنه رد على تصريحات حميدتي.

وبالعودة إلى تصريحات حميدتي، ففضلاً عن أنه لم يوضح مزاعمه حول أولئك الأشخاص الذين اتهمهم بإيقاف المنحة (السعودية الإماراتية)، فإنه تعمد عدم ذكر استلام المجلس العسكري الانتقالي لـ500 مليون دولار كوديعة إماراتية، وإيداع السعودية مبلغ 750 مليون دولار خلال زيارة حمدوك إلى الرياض في مارس عام 2021م.

وبالنظر إلى حجم المنح والمساعدات التي توقفت عقب انقلاب 25 أكتوبر (مليارات الدولارات) بما فيها مساعدات وبرامج صندوق النقد والبنك الدوليين، فإن اتهامه للبعض بأنهم تسببوا في وقف عملياته، ليس صحيحاً، بينما في الحقيقة تقع المسؤولية المباشرة على قادة الانقلاب بمن فيهم هو نفسه.

شهداء انقلاب 25 اكتوبر 2021 – رسم بياني تفاعلي

منذ انقلاب 25 أكتوبر، استخدمت القوات العسكرية الرصاص الحي وعبوات الغاز المسيل للدموع، والقنابل الصوتية وأدوات اخرى، لقمع الاحتجاجات السلمية الرافضة للانقلاب. مما أدى الى مقتل عشرات المتظاهرين في مدن السودان المختلفة.

هذا الرسم البياني التفاعلي هو محاولة لتوثيق انتهاكات القوات الانقلابية ضد المتظاهرين السلميين، وسيعمل فريق (بيم ريبورتس) على تحديثه بصورة دورية.

المصدر: لجنة أطباء السودان المركزية

0
شهيد منذ انقلاب 25 اكتوبر 2021

  • بيانات عامة

اضغط على الرسم التفاعلي أدناه لتصفية البيانات العامة حسب تاريخ الإصابة، نوع الإصابة، الفئة العمرية، النوع، أو موقع الإصابة (المدينة).

لإلغاء خاصية التصنيف (Filter)، اضغط Clear Selection في الرسالة التوضيحية، أو اضغط Reset أسفل الرسم البياني.

  • اسماء وصور شهداء انقلاب 25 اكتوبر

الاحتياطي المركزي.. كيف تواجه قوات قتالية المتظاهرين السلميين؟

عقب الانقلاب العسكري، في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، برزت قوات الاحتياطي المركزي، ذات التدريب القتالي، في مواجهة المتظاهرين السلميين. 

وطوال الموجة الأولى للثورة السودانية الممتدة من ديسمبر 2018م، وحتى إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في أبريل 2019م، لم يُلاحظ مشاركة مُباشرة لقوات الاحتياطي المركزي في تفريق التظاهرات، بل اكتفت بالتمركز والانتشار في المنشآت الرئيسة، خاصة بالعاصمة الخرطوم.

وكذلك طيلة الفترة الانتقالية التي انتهت بانقلاب قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، لم يرد ذكر مشاركة لقوات الاحتياطي المركزي في المواجهات مع المتظاهرين.

 ومع استمرار سقوط القتلى وتزايد الضغوط الدولية، وبدء الكونغرس الأمريكي في تصميم عقوبات تستهدف قادة الجيش ومليشيا الدعم السريع، على خلفية الانقلاب وقمع المظاهرات السلمية، بدأ استخدام قوات الاحتياطي المركزي، على نطاق واسع كآلة قمعية في مواجهة المتظاهرين السلميين.

يعتقد ضباط بالشرطة السودانية، ان قوات الاحتياطي المركزي هي قوات قتالية، وليس من مهامها تفريق المظاهرات السلمية، وطبقاً لإفادة ضابط رفيع بالشرطة، تحدث لـ(بيم ريبورتس)، فقد “استغل قائد الانقلاب، عبد الفتاح البرهان، حالة الطوارئ التي أعلنها مع الانقلاب، في إقحام قوات الاحتياطي المركزي في شأن ليس من مهامها المعروفة، خاصة وأنها قوات عسكرية تتلقى تدريباً ذو طابع قتالي، بالإضافة إلى وجود وحدات في الشرطة لديها اختصاص مباشر في التعامل مع التظاهرات”.

ويضيف الضابط الذي طلب حجب اسمه، ان “قوات الاحتياطي المركزي، هي قوة عسكرية من أذرع الشرطة، وتسمى قوات احتياطي، بمعنى أنها تُستخدم في حالات خاصة تحدّدها اختصاصاتها، وتأتي مركزيتها، بمعنى شمول نطاق عملها لكل أنحاء السودان”.

ويتابع الضابط الرفيع، “من بين أهم مهام قوات الاحتياطي المركزي هي؛ حفظ الأمن في مناطق النزاعات الأهلية والنهب المسلح، وحماية المواقع والمنشآت الاستراتيجية في أنحاء البلاد كافة باعتبارها قوة ضاربة، كونها مدربة تدريباً قتالياً ولديها آليات ومدرعات وأسلحة مختلفة ونوعية تمكِّنها من أداء مهام قتالية”. 

ويضيف بالقول “تعتبر قوات الاحتياطي المركزي، القوة العسكرية الضاربة للشرطة، فيما يلي المهام القتالية وحفظ الأمن، وتُشارك مع القوات العسكرية الأخرى، مثل القوات المسلحة في الأعمال العسكرية والقتالية”.

وعملت قوات الاحتياطي المركزي تاريخياً، في مهام قتالية بالأساس، مثل مكافحة النهب المسلح، والقتال ضد الحركات المسلحة إبان حرب دارفور، وإلى جانب الجيش في حرب جنوب السودان.

وفي عام 1992م حدد الرئيس المخلوع، عمر البشير، في القرار رقم (61) عدداً من المهام والواجبات لشرطة الاحتياطي المركزي، من بينها “المشاركة وتقديم المساندة للقوات المسلحة فى مناطق العمليات والإشراف على وحدات الشرطة المستنفرة بمناطق العمليات. وتكوين قوات خاصة ذات كفاءة عالية للتدخل في عمليات الأمن الداخلي الاتحادية”.

وتقع سلطات إدارة قوات الاحتياطي المركزي قانوناً مباشرة عند مدير عام قوات الشرطة، في وقت تنتشر فيه بكل ولايات البلاد، خاصة التي شهدت وتشهد اضطرابات أمنية مختلفة الأنواع، لا سيما في السنوات الماضية، ما قبل سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

المشاركة في حرب دارفور

بجانب مشاركتها المباشرة في القتال ضد الحركات المسلحة خلال الحرب بدارفور، فقد درّبت قوات الاحتياطي المركزي، في مركزها الرئيس بالخرطوم، مليشيات وقوات شبه عسكرية للمشاركة في النزاع المسلح هناك، حيث قاد عمليات التدريب وإنشاء القوات، القيادي بالنظام البائد، أحمد هارون، الذي كان مسؤول أمن دارفور بوزارة الداخلية إبان فترة الحرب.

وهارون، إلى جانب الرئيس المخلوع، عمر البشير، ووزير دفاعه الأسبق، عبد الرحيم محمد حسين، وضابط الصف بقوات الاحتياطي المركزي، علي كوشيب، وقائد عسكري سابق بحركة العدل والمساواة، عبد الله بندة، مطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في إقليم دارفور، غربي البلاد.

ومن بين القادة الميدانيين الذين لعبوا دوراً عسكرياً في النزاع الدائر وقتها، علي كوشيب الذي يحاكم حالياً في المحكمة الجنائية الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، بين عامي 2001- 2004م.

وكوشيب في الأصل، هو ضابط صف بقوات الاحتياطي المركزي برتبة مساعد، وكان ذراع أحمد هارون على الأرض في حرب دارفور. 

وظلّت القوات شبه العسكرية والمليشيات التي تم تدريبها على يد قوات الاحتياطي المركزي، ترتدي زي الشرطة طيلة فترة مشاركتها في تلك العمليات.

من ناحية أخرى، شاركت قوات الاحتياطي المركزي بزيها الرسمي في العمليات العسكرية أثناء حرب دارفور، على عدة جوانب بما فيها القتالية والتمركز وحماية المقار والمناطق.

ومع تصاعُد حِدة الحرب في دارفور، بدأت تبرُز انتهاكات جسيمة للسطح بما فيها عمليات اغتصاب جماعي للنساء، الأمر الذي أدى إلى تدخل مجلس الأمن الدولي، تبعه إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين في النظام البائد.

وأجبرت الضغوط الدولية الحكومة السودانية (النظام البائد)، على إجراء تحقيق، تبعه تشكيل هيئات قانونية للتعامل مع الجرائم والانتهاكات التي وقعت في دارفور، شملت تشكيل محكمة خاصة لجرائم حرب دارفور وتعيين مدعٍ عام لجرائم دارفور، ومن بين المتهمين في تلك الجرائم، المتدرجة بين القتل والاغتصاب والنهب والسطو المسلح، جنود يتبعون لقوات الاحتياطي المركزي.

وفي عام 2019م، وجهت محكمة جرائم دارفور، تهماً بالقتل العمد والنهب لثلاثة جنود من عناصر قوات الاحتياطي المركزي. 

وأشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2012م، الصادر في 14 مارس 2013م، حول حوادث العنف الجنسي في دارفور، المقدّم لمجلس الأمن، أنه بالنسبة لـ13حالة، تمكّن الضحايا من تحديد هوية الجناة المزعومين على نحو واضح، من خلال اقتفاء أثرهم حتى قواعد عسكرية معينة، أو من خلال التعرف على زيهم النظامي.

وشمل الجناة في هذه الحالات، أفراداً من أجهزة الأمن الحكومية السودانية، منها على وجه التحديد قوات الاحتياطي المركزي.

من الحرب إلى قمع التظاهرات السلمية

بينما ظلت قوات الاحتياطي المركزي، المدربة لمجابهة أعمال العنف، وتؤدي مهاماً قتالية وعسكرية، وأخرى تتعلق بتأمين المقار والقوافل التجارية، خاصة في دارفور، وظفها قادة السلطة العسكرية،  لمواجهة المتظاهرين السلميين، ما نتج عنه انتهاكات غير مسبوقة. 

ممارسات قوات الاحتياطي المركزي والشرطة عموماً، تخالف القانون المحلي والدولي، حسب قانونيين. 

يقول الناشط الحقوقي والمحامي عبد الباسط الحاج، إن الخلفية التاريخية لقوات الاحتياطي المركزي، إنها تتبع لجهاز الشرطة ووحدة من وحدات وزارة الداخلية تسند لها مهام عملياتية“.

ويضيف، “خلال فترة نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، تم تزويدها بصلاحيات إضافية لتصبح قوات عمليات قتالية وتم دعمها لوجستياً، لكن بما أنها تتبع لمدير عام الشرطة، فهي قوات شرطية تعمل عمل الشرطة.. وعمل الشرطة هنا؛ هو حفظ الأمن وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة وحماية الحقوق الأساسية للأفراد المكفولة بحسب القانون والدستور والمواثيق الدولية”.

وأكمل الحاج “لكن عندما تقوم قوات الشرطة والأمن بمنع المتظاهرين السلميين من ممارسة حقوقهم المشروعة وبناءً على ذلك تستخدم ضدهم العنف المفرط المؤدي إلى القتل والإصابات الخطيرة، فهذا بكل تأكيد يشير إلى وجود خلل كبير داخل هذه القوات، وتصنّف مثل هذه الجرائم بالجرائم الخطيرة، قد تصل إلى أن تكون جرائم ضد الإنسانية كما هي متورطة في جرائم دارفور”.

FLcj0BYWYAEqkok
مشاركة قوات الاحتياطي المركزي في قمع التظاهرات السلمية - مصدر الصورة: مواقع التواصل " تويتر"
ضوابط معيارية للتعامل مع المظاهرات السلمية

من المعروف أن هناك ضوابط ومعايير تُقيِّد تعامُل موظفي إنفاذ القانون مع المظاهرات السلمية. وفي هذا الصدد يقول المحامي عبدالباسط الحاج، أن “القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنع منعاً باتاً استخدام القوة والسلاح الناري ضد المتظاهرين مهما كان حجم التظاهر، إلّا إذا كان يخدم غرضاً مشروعاً”.

ويشير إلى أن المادة الثالثة من مدوّنة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والمعتمدة لدى الأمم المتحدة تنص بأنه “لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة، إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم”.

ويستطرد “حتى وإن كانت هناك ضرورة لاستخدام القوة، يجب أن يكون وفقاً لقواعد القانون ومبدأ التناسبية في استخدام القوة. إذ حدّدت المبادئ العامة للقانون الدولي لحقوق الإنسان ضوابط معيارية يجب الالتزام بها في حالة تعامل قوات الشرطة مع المتظاهرين، بحيث يجب أن يكون هناك خطر وشيك الوقوع، وذلك الخطر يجب أن يكون مهدد لحياة الناس”.

“ولكن في الحالات العادية محظور دولياً لقوات الشرطة أن تُطلق الرصاص الحي أو المطاطي أو القنابل الصوتية على المتظاهرين حتى وإن استخدم المتظاهرون الحجارة في رمي الشرطة لا يجوز لقوات الشرطة إطلاق الرصاص عليهم، إلّا في الحالات المحدّدة وفقاً للقانون وهي من حيث المبدأ استثنائية”، يوضح الحاج.

ويعتقد الحاج، أن استخدام قوات قتالية أو شبه قتالية مثل قوات الاحتياطي المركزي في تفريق المتظاهرين السلميين والاستخدام المفرط للقوة التي تصل لحد القتل أو الإصابات البالغة هو أمر مُجرّم دولياً وفي غاية الخطورة، ذلك لأن ما حدث وظل يحدث طوال الأيام الماضية من قتل بالرصاص الحي ضد المتظاهرين ينُم عن القصد الجنائي الواضح والتعمّد لقتل أكبر عدد من المتظاهرين، وهذا يستشف من خلال مكان القنص أو الإصابة، كلها كانت في أماكن قاتلة وبالغة الخطورة.

ويشدِّد على أنه وفقاً للقانون والدستور وكل الاتفاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنّ ما تقُوم به قوات الاحتياطي المركزي جريمة كبرى ولا يجب أن تمر بصورة عادية دون محاسبة القادة والأفراد المتورطين بهذه الجرائم، ولا يستفيد أي شخص منهم بالاستثناءات بل يتحملّون كامل المسؤولية، لأنه من غير الطبيعي أن تستخدم هذه القوات السلاح الرشاش أو سلاح القنص الذي يستخدم باحترافية وتهديف مقصود ضد المتظاهرين السلميين.

شهادات عن انتهاكات قوات الاحتياطي المركزي في التظاهرات

منذ ظهورها في واجهة القوات التي تقمع المظاهرات السلمية في الخرطوم والمدن الأخرى، ارتكبت قوات الاحتياطي المركزي انتهاكات عديدة بحق المتظاهرين السلميين، بحسب شهادات كتبها متظاهرون وصحافيون، وكثيراً ما ذكروا أنهم تعرّضوا لاعتداءات جسيمة ونهب من قبل عناصرها.

وفي هذا السياق، قال الصحافي عثمان شبونة، في شهادة كتبها عن موكب “مليونية” 19 ديسمبر بالعاصمة الخرطوم، إنه خلال إسعاف صحافية تعرّضت لاختناق بسبب الغاز المسيل للدموع، بأحد مشافي الخرطوم، رصد عسكريين يرتدون زي شرطة الاحتياطي المركزي على متن سيارات تحمل شعارها، يمارسون عنفاً وحقداً مفرطاً تجاه الشباب السلميين بغرض النهب أولاً.

وأكد شبونة، أن أولئك الجنود يتبعون بالفعل لقوات الاحتياطي المركزي، في وقت يلتزم فيه مديرها الصمت، رغم أنه سلوك متكرر.

وشدّد على أنهم كصحافيين لم يرصدوا حالة نهب أو حالتين فقط؛ مشيراً إلى أنه كان أمراً ممنهجاً، في ظل وجودهم ضمن ما وصفها بقلب حلقة الشر التي وسّعتها شرطة الاحتياطي المركزي تحديداً.

ووثق إحدى الحالات لشاب من ولاية القضارف شرقي البلاد، يسكن حالياً بالخرطوم، اسمه مرتقب محمد عبد الدائم.

وأوضح شبونة، أن أفراد شرطة الاحتياطي المركزي، رفعوه على متن سيارتهم، قبل أن يوسعوه ضرباً، ثم نهبوا هاتفه، ومن ثم أنزلوه على الفور.

ووصف شبونة، حالة عبد الدائم، بأن أسنانه كانت تنزف ولا يستطيع تحريك يده اليسرى من أثر الضرب بالخراطيم، وكان في شبه غيبوبة، قبل أن يصل صديقه ليكمل إسعافه.

وفي حالة أخرى، وثقت المواطنة مآب محمود، عملية سرقة هاتفها المحمول في مليونية 17 يناير الماضي بالخرطوم، في حسابها على موقع فيسبوك.

وقالت إنه، عند فتح هاتفها المسروق، أظهرت خدمة التتبع، أنه موجود بمقر الاحتياطي المركزي الرئيسي جنوب الخرطوم.

ووصلت ذروة انتهاكات قوات الاحتياطي المركزي، ضد المتظاهرين السلميين في مليونية 19 ديسمبر، بعدما وصل الآلاف إلى البوابة الجنوبية للقصر الرئاسي بالخرطوم وبدء الاعتصام به، ومحاولة آلاف آخرين الوصول إلى الخرطوم، من مدينتي أمدرمان والخرطوم بحري عبر جسور: النيل الأبيض، المنشية، والمك نمر.

وفضلاً عن استخدام الرصاص الحي والمطاطي والقنابل الصوتية وعبوات الغاز المسيل للدموع، في مليونية 19 ديسمبر، امتدت الانتهاكات إلى مرحلة وقوع عمليات اغتصاب بالمناطق المحيطة بالقصر الرئاسي بقلب الخرطوم، حسبما أكدت تقارير محلية ودولية.

وبعد مجزرة الخرطوم بحري، “مليونية” 17 نوفمبر، والتي بلغ عدد ضحاياها 16 شخصاً، ألقى رئيس ونائب رئيس مجلس السيادة الانقلابيين، عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان “حميدتي”، في تصريحات صحافية باللائمة على الشرطة، تبعها -عقب توقيع اتفاق 21 نوفمبر بين البرهان ورئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك- إقالة الأخير لمدير الشرطة خالد مهدي، وتعيين عنان حامد مديراً جديداً، لكن شيئاً لم يتغير.

شاهد أيضاً : إقالة‌ ‌مدير‌ ‌الشرطة؟‌ ‌أم‌ ‌إصلاح‌ ‌المؤسسة‌ ‌نفسها؟‌
ممارسات ومهام مخالفة للقانون:

يعتقد ضباط بالشرطة السودانية، إن الممارسات والمهام التي تؤديها قوات الاحتياطي المركزي في الوقت الراهن، تتعارض تماماً مع قانون قوات الشرطة لسنة 2008م، خصوصاً الانتهاكات الفظيعة ضد المتظاهرين السلميين.

ويعتقد الضابط الرفيع بالشرطة، الذي تحدث إلى (بيم ريبورتس)، أن “استخدام قوات الاحتياطي المركزي التي لا تعمل في العادة على تفريق التظاهرات، يأتي في إطار إبعاد الجيش ومليشيا الدعم السريع عن مسؤولية العنف، خوفاً من العقوبات الأمريكية”.

وينص الفصل الثالث من قانون الشرطة لعام 2008م، على أن الشرطة قوة نظامية، مهمتها تنفيذ القانون وحفظ النظام، على أن يلتزم الشرطي في أداء واجباته ووظيفته، باحترام سيادة حكم القانون وتعزيز واحترام حقوق الإنسان وفقاً للدستور والالتزام بالنظم والمعايير المهنية والفنية والسلوكية القومية والدولية المقبولة في أداء وظيفته واحترام الأديان وكريم المعتقدات وأداء الواجبات بكل حيدة ونزاهة وفقاً للقانون والمعايير القومية والدولية المقبولة.

وحدّد القانون في الفصل الرابع، واجبات والتزامات واختصاصات وسلطات الشرطة في “المحافظة على أمن الوطن والمواطنين، وسلامة الأنفس والأموال والأعراض، ومنع الجريمة واكتشاف ما يقع منها، وترسيخ سيادة حكم القانون”.

لكن، مع سقوط أكثر من 81 قتيلاً منذ الانقلاب العسكري، وانتهاكات موثّقة مُورست ضد المتظاهرين السلميين، والمواطنين والصحافيين والعاملين بأجهزة الإعلام، شملت النهب والضرب واقتحام المقار، يبدو أن السلطة العسكرية الانقلابية، مزّقت قانون الشرطة إلى غير رجعة.

ووثقت منظمة (هيومان رايتس ووتش)، في تقرير نشرته يوم 3 فبراير الحالي، الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها قوات الاحتياطي المركزي، وقالت المنظمة ذائعة الصيت، “إن شرطة مكافحة الشغب و(قوات الاحتياطي المركزي)، وهي وحدة شرطة عسكرية، قادت الرد العنيف في تظاهرات 17 يناير الماضي”. 

وأضافت المنظمة، “أن ستة شهود أكدوا أن القوات استخدمت الذخيرة الحية ضد المتظاهرين العُزل في مواقع متعددة على مدار اليوم، كما  قامت اأيضاً بضرب واعتقال المتظاهرين السلميين”.

طريقة عمل قوات الاحتياطي المركزي

تبدأ سلسلة الأوامر الرسمية، حسب إفادة ضابط رفيع بالشرطة، في مشاركة قوات الاحتياطي المركزي، عبر طلب مدير شرطة الخرطوم برتبة فريق، لـ(سرايا) من قائد قوات الاحتياطي المركزي برتبة لواء لتفريق التظاهرات.

وتتكون السرية الواحدة من حوالي 62 جندياً تعمل تحت إمرة ضابط برتبة عقيد وضباط آخرين برتبتي الملازم والنقيب، بالإضافة إلى آليات عسكرية تشمل المدرعات (سيارات عسكرية مصفحة)، إلى أن تصل سلسلة تحريكها مدير عام قوات الشرطة.

وتشير معلومات ومصادر متطابقة، إلى إدارة قوات الاحتياطي المركزي، بشكل غير مباشر من قبل البرهان وحميدتي، باعتبارهما أعلى قيادات للمؤسسات العسكرية والأمنية المختلفة، من خلال تقديم حوافز مالية ضخمة لجنودها. وأيضاً من خلال خطة لجهاز المخابرات العامة، بعد استعادة دوره الأمني مرة أخرى بموجب أمر طوارئ للبرهان، بالإضافة إلى وجود أذرع الإسلاميين فيها بعد دمج المجلس العسكري المحلول القوة الخاصة للشرطة الأمنية والشرطة الشعبية في قوات الاحتياطي المركزي، وهي تتبع مباشرة للتنظيم الحاكم في النظام البائد.

وكانت الوثيقة الدستورية لعام 2019م والمعدلة في 2020م، الحاكمة للفترة الانتقالية قبل الانقلاب، نصت على أن يمثل أعضاء مجلس السيادة مجتمعين القائد الأعلى للقوات المسلحة.

غياب الإجراءات

يؤثر غياب وزير للداخلية في البلاد، على اتخاذ قرارات سياسية بحكم منصبه، في تعامل قوات الشرطة عموماً مع التظاهرات، كما غابت الإجراءات التي كانت تُتخذ في التظاهرات قبل الانقلاب المتمثلة؛ في حضور كل من النائب العام، مدير الاستخبارات، مدير جهاز المخابرات ووزير الداخلية ومدير شرطة الخرطوم، في غرفة مركزية أمنية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالتعامل مع التظاهرات.

راتب مضاعف

تعامُل قوات الاحتياطي المركزي العنيف مع المتظاهرين أثار تساؤلات حول دوافعه، غير أنّه في ديسمبر الماضي، منح نائب رئيس مجلس السيادة الانقلابي، محمد حمدان دقلو، العاملين في الشرطة من رتبة فريق إلى جندي مرتب شهرين كحافز لهم، حسب مصادر متطابقة في الشرطة تحدثت لـ(بيم ريبورتس).

وبخصوص الاحتياطي المركزي، بجانب الحماية التي منحها البرهان للعسكريين بموجب أمر الطوارئ رقم 3 الذي منح جميع القوات العسكرية حصانة كاملة، فيما تفيد مصادر بأن هنالك نوع من الحوافز يتم رصدها للمشاركين في عمليات قمع المتظاهرين، تدخل ضمن بند يسمى (الاستعداد) باعتبارها عملاً إضافياً، وهو حافز خاص بتغطية المظاهرات.

وتعتبر الحوافز المالية والتعبئة العسكرية والحصانات الكاملة، المسؤولة عن رفع وتيرة العنف والانتهاكات، منذ الانقلاب العسكري.

كما أنّ استخدام قوات الاحتياطي المركزي، لقمع التظاهرات، يأتي ضمن خطة مدروسة لقادة مجلس السيادة، بحكم تبعية الشرطة إدراياً لرئيس الوزراء المستقيل عبد الله حمدوك، ما يعني سهولة إنكار مسؤوليتهم عمّا تقترفه قوات الاحتياطي المركزي وقوات الشرطة الأخرى من انتهاكات وتحميلها له”، يوضح الضابط الرفيع بالشرطة.

ويقع المقر (المعسكر) الرئيس لقوات الاحتياطي المركزي، على بعد نحو 20 كلم جنوب العاصمة الخرطوم، فيما تنتشر مقار أخرى لها في مدنها المختلفة.

وأنشئت قوات الاحتياطي المركزي، وهي تتبع للشرطة، في عام 1974م، تحت قيادة العقيد شرطة عصمت معني، في عهد الرئيس المخلوع، جعفر نميري، كقوات احتياط عسكري، تختص بالمهام والعمليات ذات الطابع العنفي والقتالي.

قادة الاحتياطي المركزي في السنوات الأخيرة

ومنذ الثورة، تعاقب 4 ضباط على قيادة قوات الاحتياطي المركزي، كان من بينهم مدير عام الشرطة ووزير الداخلية لاحقاً في الحكومة الانتقالية، عز الدين الشيخ، حيث خلفه، في يوليو 2020م، عقب تعيينه مديراً لشرطة الخرطوم، مدير الشرطة الحالي، عنان حامد محمد عمر، خلفه اللواء كمال ميرغني، فيما يقودها حالياً اللواء الشامي عبد الله محمد عبدون.

عنان والشيخ، ليسا مديري الشرطة الوحيدين اللذين قادا قوات الاحتياطي المركزي، في السنوات الأخيرة، فقد سبقهما مديري الشرطة الأسبقين، الطيب بابكر وعادل بشاير، الذي كان يديرها حتى مايو 2019م، بعد شهر من سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، فيما كان يديرها بابكر حتى ترقيته وتعيينه في سبتمبر 2018م، مديراً عاماً للشرطة.

وبشاير إلى جانب وزير الداخلية الأول في الحكومة الانتقالية، الطريفي إدريس، كانا قد عملا في دارفور إبان اشتداد أوار الحرب، إلى جانب قائد قوات حرس الحدود حينها، عبد الفتاح البرهان، وقائد مليشيا الدعم السريع حالياً، محمد حمدان حميدتي، الأول كان مديراً لشرطة مدينة زالنجي والثاني كان مديراً لشرطة الفاشر وسط وشمال دارفور.

ولم يكن مستغرباً، أن سارع قادة المجلس العسكري المحلول بترقيتهما في مايو 2019م، إلى رتبتي فريق ثم فريق أول، وتعيين الأول مديراً للشرطة والثاني وزيراً للداخلية، في الحكومة الانتقالية الأولى.

دمج الشرطة الشعبية والأمنية في الاحتياطي المركزي

وخلال استيلاء المجلس العسكري المحلول على السلطة في البلاد، 11 أبريل – 21 أغسطس 2019م، دُمجت الشرطة الأمنية، بما فيها دائرة القوة الخاصة، ضمن قيادة قوات الاحتياطي المركزي وأيضاً الشرطة الشعبية التابعة للإسلاميين.

و”الشرطة الأمنية، تتبع اسمياً للشرطة”، حسب إفادة ضابط الشرطة الذي تحدث لـ(بيم ريبورتس)، لكنها بطبيعة الحال منفصلة عنها، و”هي أقرب إلى كونها قوات تابعة لتنظيم سياسي، وهي مفرخة ومصدر كتائب الظل التابعة للنظام البائد”.

ويُعتقد أن كتائب الظل، هي مليشيا تتبع للإسلاميين نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وكان نائبه السابق، علي عثمان محمد طه، قد هدد المتظاهرين أثناء الثورة خلال مقابلة تلفزيونية معه بقوله “لدينا كتائب ظل تعلمونها جيداً، ستدافع عن النظام”.

وتتكون تركيبة قوات الاحتياطي المركزي الإدارية، من لواء إدارة، ولواء عمليات، فيما يُديرها بشكل عام ضابط برتبة لواء، وتتوزع سراياها في مدن الخرطوم المختلفة، وغالباً ما يقُودها ضابط برتبة عقيد.

وبحساب عدد الكتائب الكتيبة حوالي (450 جندياً)، كل كتيبتين تشكلان لواء، وعدد الألوية والسرايا المنتشرة في أنحاء البلاد المختلفة، فيمكن تقدير قواتها بنحو 20 ألف جندي على الأقل.

وتم إرسال قوات من الاحتياطي المركزي إلى مدن الجنينة غربي البلاد، وبورتسودان وكسلا شرقي البلاد، لحفظ الأمن وفض نزاعات أهلية وقعت بين عامي 2019 و2021م.

استمرار عمل قوات الاحتياطي المركزي العسكرية في تفريق التظاهرات، رغم انتهاكاتها الجسيمة، في ظل وجود قوات مختصة في هذا الأمر، يشير إلى أن السلطة العسكرية، تتعمد وضع المتظاهرين السلميين أمام آلة عسكرية عنيفة.

كيف شاركت النساء في ثورات السودان السلمية؟

تتسابق وسائل الإعلام المحلية والدولية في الظفر بتوثيق مواقف البسالة والإقدام للنساء السودانيات في الخطوط الأمامية للتظاهرات والاحتجاجات والمقاومة المنظمة والتعبئة، والتي تعكسها تلك الوسائل كظاهرة بارزة في خضم المقاومة الشعبية التي انتظمت السودان منذ أواخر العام 2018م وحتى سقوط نظام البشير في أبريل 2019م.

إزاء هذا التسابق الإعلامي في عكس وتوثيق مشاركة النساء السودانيات في طليعة المقاومة الثورية، وتقديمه كـ(ظاهرة) بارزة في بلد عانى من الحكم الشمولي، وفي ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا النساء، غاب عن أذهان البعض، أن ظهور النساء في طليعة المقاومة هو نتاج طبيعي لتاريخ الحركة النسائية في السودان وتأثيرها العميق والجذري في المجتمع، الذي ساندت طليعته قضية المرأة منذ وقت مبكر، في الإضراب الذي قادته الطالبة – وقتها – فاطمة أحمد إبراهيم، في العام 1949م، ولاقى اهتمام الرأي العام حينها.

 
تظاهرات في الخرطوم - ابريل 2019 - تصوير: علاء خير
نظرة في تاريخ الحركة النسائية السودانية

ما قبل الاستقلال:

شاركت النساء السودانيات منذ أزمان موغلة في القِدم، بكافة أشكال مقاومة الاستبداد، ودونت كتب التاريخ القديم سِيَر الكنداكات السودانيات. وفي التاريخ الحديث كان لهن باع طويل في مقاومة الاحتلال الأجنبي، ففي الربع الأول من القرن التاسع عشر، اشتهرت (مهيرة بت عبود) بأشعارها التي حفزت المقاتلين السودانيين لمحاربة الاحتلال التركي-المصري، وتحديداً في معركة كورتي عام 1820م، وبجانب أشعار الحماسة، فقد شاركت مهيرة بنفسها في المعارك مع الجيش الذي تصدى للحملة التركية على السودان.

وفي مطلع القرن العشرين، برز اسم الأميرة مندي بنت السلطان عجبنا، التي قاتلت إلى جانب فرسان جبال النوبة، وساهمت في تنظيم صفوف الجيش في تلك المناطق بعدما أعدمت القوات الغازية والدها السلطان عجبنا، في العام 1917م.

وخلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت البلاد نشوء حركات التحرر الوطني، وبرز حينها إسم العازة محمد عبدالله، خلال ثورة 1924م، طليعة مقاومة الاحتلال.

وخلال تكوين الاتحادات والتنظيمات كأدوات لمقاومة الاحتلال الأجنبي، برزت وقتها الطبيبة خالدة زاهر التي كانت أول طبيبة سودانية مارست المهنة، وكانت أيضاً ناشطة سياسية مهتمة بقضية المرأة، مما أدى إلى اعتقالها عام 1946م من نظام الحكم البريطاني لمعارضتها الحكم الأجنبي. كانت خالدة أيضا إحدى مؤسسات الاتحاد النسائي السوداني الذي يعتبر أهم التنظيمات النسائية في تاريخ السودان الحديث. 

د. خالدة زاهر

نبعت فكرة الاتحاد، كمحاولة لتكوين نقابة تختص بقضية المرأة، وتوحيد الاتحادات التي كانت قد نشأت من نساء عاملات في بعض المهن، فتكونت أولاً “رابطة النساء الثقافية”، في الفترة بين 1946-1949م لكنها لم تستمر، ثم انعقد أول اجتماع تأسيسي للاتحاد النسائي في يناير 1952م ومن ثم تكونت اللجنة التمهيدية من خالدة زاهر، ونفيسة أحمد إبراهيم، وعزيزة مكي، وحاجة كاشف، وفاطمة أحمد إبراهيم، ونفيسة المليك، وفاطمة طالب. بعض الأسماء الإضافية لهذه اللجنة لم يتم توثيقها في ذلك الوقت، بحسب كتاب (شاهدة على مسيرة الاتحاد النسائي السوداني خلال نصف قرن من الزمان)، للكاتبة فاطمة القدال.

نال الاتحاد اهتماماً واسعاً بسبب عضويته التي تكونت من نساء فاعلات في الحياة العامة والمهنية وتطرقه لقضايا مهمة منذ التأسيس، حيث كانت أبرز القضايا التي تصدى لها الاتحاد في الفترة من 1952 – 1958م هي قضايا التعليم ومحو الأمية، وحق المرأة في العمل كمدخل للمساواة بين الجنسين. وسعى الاتحاد لتحسين أوضاع النساء في المعيشة والأجور، وكان يبث برامجَ توعوية عبر الإذاعة، وقدم مذكرات للمجالس المحلية تطالب بحقوق الطفل وصحة البيئة، واهتم الاتحاد كذلك، بمحاربة العادات والتقاليد الضارة، والتوعية بمخاطر ختان البنات، وسعى لتوعية النساء بهذه القضايا عبر مختلف الوسائل.

وكان لقائدات الاتحاد النسائي أدوار مهمة في لفت انتباه المجتمع لقضية المرأة منذ وقت مبكر، ففي عام 1949م قادت الطالبة -وقتها – فاطمة أحمد إبراهيم أول إضراب يتعلق بقضية المرأة في السودان، عندما كانت تدرس في ثانوية أمدرمان العليا، بعدما قررت مديرة المدرسة البريطانية استبدال جميع العلوم الطبيعية بالعلوم الأسرية بحجة أن السودانيات غير مؤهلات ذهنياً. نجح الإضراب وأثار جدلاً بسبب عدم ممارسة الإضراب وقتها – وتحديدا للنساء – كوسيلة ضغط مما أدى إلى تراجع المديرة عن قرارها.

ما بعد الاستقلال

أفرزت سياسة المناطق المقفولة التي انتهجها الاحتلال الأجنبي للتفريق بين أبناء البلاد، واقعاً متبايناً بين أجزاء الوطن الواحد من ناحية التنمية غير المتوازنة وتطور التعليم، وبالتالي بنية المجتمع المدني والتنظيمات الحديثة. لذلك تركز أغلب التوثيق حول نشاط المرأة السياسي (المنظم) في فترة ما بعد الاستقلال على دور النساء في المناطق الحضرية ومشاركتهن في الثورات السلمية. 

مع إعلان استقلال السودان رسمياً في 1 يناير 1956م، سرعان ما واجهت الأحزاب السودانية تحديات في الاتفاق على صيغة توفيقية حول نظام الحكم والدستور، وفي ظل تفاقم التحديات حول نظام الحكم، استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة عبر انقلاب عسكري في 17 نوفمبر 1958م.

عدم الاتفاق على دستور دائم، بالإضافة لتردي الأحوال الاقتصادية، واشتداد وتيرة الصراعات السياسية بين الأحزاب، كل هذه العوامل اتخذها الجيش حجة للتدخل في العمل السياسي، وإقصاء الأحزاب من الحكم. 

عقب انقلابه، حل نظام عبود العسكري (1958 – 1965م) جميع الأحزاب السياسية ومنع التجمعات والمواكب والتظاهرات فى جميع أنحاء البلاد، كان الاتحاد النسائي من ضمن تلك التنظيمات، لكنه واصل نشاطه بشكل سري عبر مواصلة إصدار مجلة (صوت المرأة)، بالتزامن مع محاولات للعمل العلني رغم قيود السلطة العسكرية.

دور النساء في ثورة أكتوبر 1964م
تشييع الشهيد احمدالقرشي في ثورة اكتوبر 1964م - المصدر: The New York Times
تشييع الشهيد احمد القرشي في ثورة اكتوبر 1964م - المصدر: The New York Times

كان للنساء السودانيات مشاركات لافتة في مناهضة الحكم العسكري الأول، وقد لعب الاتحاد النسائي دوراً بارزاً في ثورة أكتوبر 1964م، فحشد القواعد النسائية للمشاركة في الاحتجاجات التي كانت تتقدمها رئيسة الاتحاد النسائي وقتها، المناضلة البارزة، فاطمة أحمد إبراهيم

عقب انتصار الثورة، وسقوط نظام عبود، واستعادة المسار الدستوري، تحققت للنساء السودانيات الكثير من المكاسب، كان أهمها هو انتزاع حق النساء في التصويت والترشح للانتخابات، فقدمت نساء السودان، في أول انتخابات بعد ثورة أكتوبر، المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم كأول برلمانية في السودان والشرق الأوسط. 

ومن مقعدها في البرلمان، واصلت فاطمة نضالاتها في الدفاع عن حقوق المرأة، حيث نالت النساء السودانيات كثير من الحقوق التي كافحن من أجلها، ولكن لم يتحقق البعض الآخر.

بعض الحقوق التي تحققت:

  • حق الدخول في كل مجالات العمل، في حين كان عمل المرأة من قبل محصورا في التعليم والتمريض فقط. وتحقق ذلك، من خلال دخول المرأة السودانية غالبية ميادين العمل باستثناء تلك المجالات التي حرمتها الأمم المتحدة وقتها؛ وهي: القضاء والقضاء الشرعي والسلك الدبلوماسي.
  • الأجر المتساوي والمساواة في العلاوات والمكافآت والبدلات، وفي كل شروط العمل، وفي حق الترقي لأعلى الدرجات الوظيفية، وحق المعاش.
  • عطلة الولادة مدفوعة الأجر – حسب ما نصت عليه منظمة العمل الدولية.
  • إلغاء قانون المشاهرة، الذي يفرض على المرأة العاملة تقديم استقالتها بعد الزواج لتعمل بموجب عقد عمل مؤقت شهراً بشهر.
  • إدخال خريجات الثانوي والمعاهد العليا تحت بند الخدمة المستديمة أسوة بزملائهن.

بعض الحقوق التي لم تتحقق:

  • توفير دور الحضانة ورياض الأطفال لتسهيل مهمة الأم العاملة.
  • توفير الضمانات الاجتماعية لحماية الأسرة في حالة عجز أو موت رب الأسرة.

لكن، في الفترة بين عامي 1966-1969م، عاشت الحكومة الائتلافية حالة من الشقاقات والصراعات، نتج عنها تشكيل العديد من الحكومات، كلها فشلت في الاتفاق على كتابة دستور دائم، أو التعامل مع مشاكل الركود الاقتصادي والانقسامات السياسية والعرقية.

في خضم حمى تلك الصراعات السياسية، وارتفاع وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان عقب فشل مؤتمر المائدة المستديرة، وطرد نواب الحزب الشيوعي المنتخبين من البرلمان، ومحاولة بعض الأحزاب فرض دستور إسلامي، انقلب الجيش على الحكومة المنتخبة في 25 مايو 1969م، بقيادة جعفر نميري.

فاطمة احمد ابراهيم - المصدر: Middle East Monitor
ما بعد الحكم العسكري الثاني 1969م

حل نظام نميري البرلمان وحظر جميع الأحزاب السياسية مقيماً دولة الحزب الواحد – الاتحاد الاشتراكي السوداني – باعتباره الكيان السياسي القانوني الوحيد في البلاد، وحل الاتحاد النسائي، واستبدله بـ(اتحاد نساء السودان) الجناح النسائي للاتحاد الاشتراكي بقيادة فاطمة عبدالمحمود.

شدد نميري أدوات القمع والحد من حرية النشاط السياسي والاجتماعي، ووضع النقابات تحت سلطته. ومع بداية الثمانينات، ساءت الأحوال السياسية والأمنية والاقتصادية، واندلعت الحرب مرة أخرى فى جنوب السودان عام 1983م بشكل أكثر ضراوة، بعدما ألغى نميري اتفاق أديس أبابا للسلام، وإعلانه قوانين سبتمبر، وحالة الطوارئ، التي اندلعت على إثرها انتفاضة مارس-أبريل 1985م.

دور النساء في انتفاضة مارس-أبريل 1985م

في خضم تنامي المقاومة الشعبية السلمية لحكم نميري، بقيادة النقابات والاتحادات المهنية وبعض الأحزاب السياسية، التي مثلت النواة لانتفاضة مارس-أبريل 1985م، لعبت النساء السودانيات أدواراً مهمة في الانتفاضة،  ساهم في ذلك تقدمهن في التعليم والعمل في مختلف المهن، مما أدى إلى زيادة نسبة مشاركتهن وانتظامهن تحت مظلة الأجسام النقابية والمهنية التي كانت السبب الرئيسي والأهم في نجاح الإضراب السياسي العام في ثورة ابريل التي أطاحت بنظام نميري العسكري.

في يونيو 1986م، شكل الصادق المهدي حكومة ائتلافية بين حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والجبهة الإسلامية الوطنية، وأربعة أحزاب جنوبية. ولكن اتسمت فترة حكم الصادق المهدي بعدم الاستقرار السياسي. وبعد ثلاث سنوات في 30 يونيو 1989م، انقلب الجيش بالتحالف مع الإسلاميين، على الحكومة المنتخبة، ليستمر حكمهم نحو 30 عاماً.

ما بعد انقلاب 30 يونيو 1989م

عمد نظام الإنقاذ، على إجراء تغييرات عميقة داخل البنية الاجتماعية والسياسية في السودان، من خلال فرض آيدلوجيته السياسية ذات الطابع المتشدد. حيث أنهى التعددية السياسية الفكرية والثقافية والدينية وحرية التعبير بشكل ممنهج وطبق قوانين الشريعة والقوانين المقيدة للحريات، لمدة 3 عقود.  

وبالرغم من أن المناطق الحضرية في السودان كانت إلى حد كبير غير متأثرة بالصراع المسلح الذي اندلع في دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق (المنطقتين)، مع ذلك تأثرت المدن الكبيرة باستراتيجيات الحركة الإسلامية لتمكين كوادرها ومنتسبيها.

 تداخلت عمليات فرض نظام الحكم لايديولجيته مع النظام التعليمي والحريات الشخصية والسياسية والصحفية، وولّدت أدوات للقمع من خلال شرطة النظام العام والأجهزة الأمنية المختلفة، ناهيك عن تهجير أعداد كبيرة (أكثر من 3 مليون نازح ونازحة) من سكان المناطق التي مزقتها الحرب في البلاد. يعيش هؤلاء النازحين في أحياء فقيرة حول ولاية الخرطوم والمدن الكبرى ويواجهون تحديات أكبر في التوظيف والصحة والتعليم مقارنة بالسكان الأقدم للمدينة.

خلال تلك الفترة، فقدت الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات المهنية قدرتها على مواصلة العمل العام والسياسي بسبب القبضة الأمنية الرادعة، وتطورت الجهات المعارضة للنظام لتشمل أيضاً مجتمعات وأجيال تأثرت بصورة مباشرة من الحرب وتواجه ظروفاً اقتصادية قاسية، مما أدخل أبعاد جديدة في الدعوة إلى تغيير النظام مثل الأبعاد الجهوية والمناطقية والظلم الاجتماعي.

اضطهد نظام الإنقاذ البائد المرأة بطرق مختلفة، أولها منعهن من العمل في مهن معينة مثل محطات الوقود، ومضايقة بائعات الأطعمة والمشروبات عبر حملات (كشات) لمصادرة ممتلكاتهن وأدواتهن. ووفرت منظومة النظام العام غطاء قانوني مهد لقوات الأمن اعتقال النساء بصورة تعسفية والاعتداء عليهن حسب ما ينظر إليه كسلوك “غير لائق” أو ملابس “غير محتشمة”.

وفرت هذه القوانين أيضاً مخرجًا للجناة والمجرمين، حيث أن الأحكام المتعلقة بالاغتصاب والعنف الجنسي غير مجدية، بما في ذلك عدم وجود جريمة جنائية لختان الإناث في تلك الفترة، والفشل في قمع العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل فعال. 

وبالرغم من ذلك، فإن القانون كان يعترف بسلسلة من العقوبات الجسدية، مثل (الرجم) و(بتر الأطراف) و(الجلد) مما يتعارض مع تحريم التعذيب والعقوبات القاسية  في القانون الدولي، على النحو الذي قررته لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.

في عام 2009م على سبيل المثال، حُكم على الصحفية لبنى الحسين، وهي منتقدة صريحة للنظام، بالجلد 40 جلدة لارتدائها بنطالاً في أماكن عامة لكنها قاومت التهم الموجهة إليها في المحكمة. في العام نفسه، تعرضت سيلفا كاشف البالغة من العمر 16 عامًا، وهي شابة مسيحية من جنوب السودان تعيش في الخرطوم، للجلد 50 جلدة لارتدائها تنورة تحت ركبتيها، بعد حرمانها من الحق في المحاكمة.

وبأخذ ما ذكر في الاعتبار، كانت الكتلة النسائية من أكثر المتضررين من سياسات النظام، ولكن الاضطهاد المتكرر ضد النساء شكل وحدة جعلتهن يتحدن في مواجهة النظام والصمود ضد الترسانة الأمنية.

ظهور أشكال جديدة للمقاومة

فقدت الأحزاب السياسية قدرتها على ممارسة عملها بحرية، وتحول النشاط السياسي للشباب والنساء  ليأخذ أشكالاً غير تقليدية بالتزامن مع ظهور منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا المرأة والعون الإنساني. إن تحليل هذه المنظمات وعلاقتها بالنظام الحاكم وقتها يمكن أن يؤدي إلى نتائج متناقضة، فبالرغم من أن الحكومة كانت تعتبرها تهديداً محتملاً وتحاول إبقائها تحت سيطرة مشددة، ولكن في الواقع كانت تقوم منظمات العون الإنساني والمنظمات الخيرية بتحمل بعض أعباء الدولة.

بعد فترة وجيزة من الانقلاب القمعي عام 1989م، شكلت الفاعلات السياسيات في الخرطوم منظمات تضامن متبادل بدت آمنة نسبيًا من أجهزة أمن الحكومة، بينما كن يمارسن عملهن جزئيًا لصالح النساء. تسبب ذلك في ظهور الكثير من المنظمات (المحلية والعالمية) الداعمة مع قضايا النساء السودانيات، ويمكن اعتبار ذلك شكلاً جديداً من أشكال التنظيم النسائي. ذلك لا ينفي أن النظام هاجم هذه المنظمات في عام 2009 م وفي 2012م، وذكرت د. غادة كدودة في دراسة لها بالشراكة مع الباحثة سوندرا هيل(مرجع – 1)، أن من الصعب إيجاد أرقام دقيقة من مفوضية العون الإنساني لأعداد تلك المنظمات، ولكن أفادت الأستاذة عديلة الزئبق (ناشطة رائدة في المنظمات النسائية)، أن هنالك آلاف المنظمات غير الحكومية في السودان والمئات في ولاية الخرطوم.

هذه المنظمات غير الحكومية المهتمة بقضايا النساء كانت أكثر من الأحزاب السياسية والأجنحة النسائية التابعة لها، وكانت نشطة للغاية وتشكل جزءا كبيرا من المجتمع المدني. وبما أن العمل السياسي بصورته التقليدية كان متعسر جدا، التحق الكثير من القواعد الشبابية الناشطة بحركات مدنية شبابية تركز نشاطها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل (قرفنا) و (التغيير الآن).

بينما اتخذ الرفض لنظام البشير ودكتاتوريات أخرى أشكالًا مختلفة، على سبيل المثال التمرد المسلح والمناورات السرية، مع ذلك، أن السخط في الخرطوم (والمدن الرئيسية الأخرى مثل ود مدني) تم التعبير عنه في المقام الأول من خلال الاحتجاجات المدنية ذات الطابع السلمي.

أدى التغيير في المناخ السياسي إلى تقاطعات بين المكونات النسائية في المجتمع المدني والحركات الشبابية في عملية التعبئة، وكما ذُكر في دراسة د. كدودة و د. هيل (مرجع – 1)، يمكن أن تلخص الأسباب التي أدت إلى تلك التقاطعات في الآتي:

  1. استبعاد النساء والشباب في قيادة معظم الأحزاب السياسية.
  2. سيطرة الأحزاب على الأجنحة النسائية التابعة لها.
  3. تأثير الناشطين بالخارج (الدياسبورا) حيث كان الشباب والنساء أكثر حرية في النشاط الاسفيري حول الموضوعات المثيرة للجدل.
  4. الانتقال اللاحق لكثير من الشباب والنساء الى المنظمات غير الحكومية، مما أدى إلى نمو المجتمع المدني واعتماده الشديد على الشباب والناشطات.

 يمكن أن يظهر شكل التعاون هذا في مثال عام 2013م عندما نظم (مركز سالمة لدراسات المرأة) بالشراكة مع مجموعات شبابية أخرى فعاليات ثقافية تعبرعن قيم الحرية والعدالة، وتم نشرها بعد احتجاجات سبتمبر من ذلك العام كجزء من حملة إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي. إن نشاط المركز ضمن عمليات التعبئة وتوثيق اعتداءات النظام على المتظاهرين كان سبباً في استهدافه وإغلاقه في العام 2014م ، بالإضافة إلى القيود الناتجة عن انخفاض التمويل الدولي للسودان ما بعد انفصال الجنوب.

أسفرت احتجاجات سبتمبر 2013م عن ظهور مجموعات شبابية أخرى مثل (ابينا) و (عصينا) و (مرقنا)، وكان لدى الشابات مشاركة بارزة في هذه المجموعات وتلقين نصيبهن من الاعتقالات والاعتداءات. بالاضافة الى مشاركة المجموعات النسائية الأقدم مثل الاتحاد النسائي و (مبادرة لا لقهر النساء) التي تأسست عام 2009، تشكلت أيضًا مجموعات نسائية بالكامل للتعبئة ووضع استراتيجيات ثورية وطرح قضايا المرأة، تنخرط اغلبها الان تحت مظلة المجموعات النسوية السياسية والمدنية (منسم) التي زاد نشاطها خلال انتفاضة ديسمبر 2018.

المصدر: African Feminism
دور النساء في ثورة ديسمبر 2018 - 2019م

فيما يتعلق بالأرقام، يقول البعض، إن ثورة ديسمبر شهدت مشاركة نسائية تفوق 60%. قد يشك البعض أن هذه الأرقام قد تكون مبالغ فيها وليست دقيقة للغاية، لكن حقيقة الموقف، ووفقًا لما هو ظاهر على الأرض، هو أن التساؤل حول هذا الأمر وإقامة دراسات تحليلية حوله هو في حد ذاته نقطة مثيرة للتوقف والتفكير حوله.

وبعثت ثورة ديسمبر الأمل للكثير من النساء في انتزاع حقوقهن، وتم تتويج ذلك خلال اعتصام القيادة العامة (أبريل – يونيو 2019م) حيث أن منطقة الاعتصام مثلت صورة مصغرة للمجتمع الذي يتوق الشباب إلى بنائه، والذي يصبح فيه التغيير الاجتماعي الذي يسعون إليه حقيقة سياسية. اتخذت  النساء هذه المساحة لمناقشة وتشجيع التغيير الاجتماعي وابتدار حملات توعوية ضد التحرش الجنسي في ميدان الاعتصام وأماكن الاحتجاج وطالبن الشابات اقرانهن من الثوار أن يتبنوا مواقف فاعلة ضد السلوك الذكوري، مع الإشارة إلى الانتفاضة على أنها “ثورة وعي”.

تميزت هذه الثورة عن باقي الثورات عبر تاريخ السودان باتساع رقعة المشاركة في الحراك حول مختلف ولايات السودان، والدور القوي لتحالفات الأجسام المهنية ولجان المقاومة بالأحياء في مواصلة أساليب الاحتجاج المختلفة. كان للنساء دور في هذه الاجسام تم توثيقه في العديد من التقارير والدراسات.

دور النساء في مناهضة انقلاب 25 أكتوبر

أثار الانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 بقيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان حراكاً واسعاً، حيث نزل السودانيون إلى الشوارع مرة أخرى لحماية حقهم في المطالبة بحكومة مدنية خالصة ورفض الانقلابات العسكرية. منذ ذلك اليوم كانت هناك حركات تعبئة نشطة من لجان مقاومة الأحياء، العمود الفقري والمحرك وراء الاحتجاجات الجماهيرية التي ما زالت تتواصل الى هذه اللحظة، مما أعاد موضوع المشاركة النسائية إلى سطح التساؤل والدراسة.

وقد تصدرت النساء الحراك مرة أخرى وكن ضمن الصفوف الأمامية في مواجهة العنف المفرط المستخدم من قبل القوات الحكومية. فكانت الشهيدة ست النفور أحمد من بين 17 شهيداً وشهيدة قتلوا في موكب 17 نوفمبر 2021م بالخرطوم بحري، عندما ارتكبت القوات الحكومية مجزرة ضد المتظاهرين السلميين الرافضين للانقلاب العسكري. وكانت ست النفور قد عُرفت بمشاركتها الفاعلة في الحراك السلمي منذ بداياته، ومواقفها المتفانية التي تداولها العديد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي والدبلوماسيين.

المشاركة في البناء القاعدي

ظلت جذوة ثورة ديسمبر حية على مدى ثلاث سنوات، وتنوعت وسائل وأدوات الاحتجاج خاصة عقب انقلاب البرهان في 25 أكتوبر، حيث ظهرت المشاركة الواضحة للمرأة ليس فقط في المسيرات والاحتجاجات، ولكن أيضًا بأدوارها القيادية النشطة في لجان المقاومة والأجسام المهنية، على الرغم من محاولات الديكتاتوريات لاستخدام العنف القائم على النوع الاجتماعي كاستراتيجية للقمع.

كما أطلقت حركة الاحتجاج الأخيرة مبادرات وحملات تدعم المشاركة النشطة للمرأة في لجان الأحياء، مثل حملة “خشي اللجنة” التي انطلقت عبر دعوة لموكب نسوي في مليونية 19 ديسمبر، وهو اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة لثورة ديسمبر.

تدعو الحملة لزيادة مشاركة النساء والشابات في لجان المقاومة وعمليات البناء القاعدي، وانتشرت الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي وتم تأييدها واعادة نشرها من قبل عدد من لجان المقاومة والصفحات الداعمة للحراك الثوري.

تواصل فريق (بيم ريبورتس) مع عدد من أعضاء لجان المقاومة في ولاية الخرطوم بخصوص مشاركة النساء والشابات في اللجان، وأفادت عضوة بإحدى اللجان التابعة لتنسيقية لجان مقاومة كرري، أن نسبة التمثيل النسائي متوسطة، وتتراوح بين شابات ونساء وربات منازل، بالإضافة إلى أن المراحل العمرية الأدنى (16-21) شبه خالية من الفتيات.

وأضافت العضوة، أن تحفيز النساء للمشاركة في اللجان مدعوم، ويشارك أعضاء اللجنة على سبيل المثال في الوقفات الداعية بوقف اضطهاد النساء، ولكن المبادرة بالمشاركة لابد أن تبدأ من النساء أنفسهن.

وفي نقاش عن التحديات التي تواجه النساء في المشاركة، وضحت عضوة اللجنة أن العقبات في الأصل هي عقبات مجتمعية مثل محدودية حركة الفتيات في حيز الحي، حيث ان اللجان عادة ما تكون مبنية على علاقات اجتماعية و ديناميات الحي. وأضافت:

في بعض اللجان تتغلغل هذه العقبات للتمظهر في حضور الاجتماعات من عضوية اللجنة المعنية، عادة ما يكون الحضور الفعلي أغلبه من الذكور من الثوار (لجنة الحارة الأولى 2020 كمثال) ويتم توصيل الإناث من الثائرات بمخرجات الاجتماع وتوكيل مهام دعم ميداني ودعائي فقط، مما يحتم تحجيم ومصادرة دورهن في صنع القرار. إن التوعية بأهمية مشاركة النساء في أي عمل ديمقراطي ضرورية لكسر تصورات متوارثة رجعية ومقيدة للنساء.

علقت عضوة أخرى أنه بالرغم من أن نسبة مشاركة الشابات في لجان المقاومة في زيادة، فإنها لا تخلو من التنميط الجندري في تقسيم المهام حيث أنه عادة ما تذهب مهام تحضير الوجبات والمشروبات إلى النساء بينما يتولى الرجال المهام القيادية مثل إدارة الاجتماعات أو تمثيل اللجنة في التنسيقيات.

يذكر أن تنميط الأدوار للنساء لا يقتصر فقط على المشاركة بعضوية لجان المقاومة، ولكن يتبين أيضاً في الحراك نفسه، كما كتبت الناشطة سارة معاوية عن تجربتها مع بعض المتظاهرين الذين لجأوا لاستخدام العنف ضدها ومحاولة ضربها، بعدما رفضت التراجع عن الصفوف الأمامية للمظاهرة في ديسمبر الماضي، وتم ذكر التجربة أيضاً على مقال صحيفة نيويورك تايمز.

هنالك أيضاً زيادة ملحوظة في مشاركة النساء في أدوار قيادية بلجان المقاومة والتنسيقيات، مثل ساجدة المبارك المتحدثة باسم تنسيقية لجان مقاومة كرري داخل السودان، ورانيا مأمون المتحدثة باسم لجان مقاومة مدني.

ضد كل أدوات القهر

تم توثيق الاستخدام الوحشي للعنف ضد المرأة كأداة لقمع المتظاهرين منذ عام 2011م خلال مظاهرات معارضة لنظام البشير، واستمر ذلك عندما استخدم أعضاء جهاز الأمن والمخابرات التابع للبشير في مظاهرات 2018-2019 م التحرش الجنسي والاعتداء والتلاعب النفسي كأدوات ليس فقط لإرهاب النساء، ولكن أيضًا عدد كبير من الأسر السودانية عبر زرع الرعب من المشاركة في هذه الاحتجاجات، مما عرض الكثير من الشابات لضغوطات من أسرهن وعدم قبول مشاركتهن في التظاهرات.

بلغ هذا النمط من الإرهاب ذروته خلال فض اعتصام القيادة العامة في 30 يونيو 2019 م حيث تم الإبلاغ عن العديد من حالات الاغتصاب من قبل قوات المجلس العسكري والتي من ضمنها قوات الدعم السريع التي تُتهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور. هذا بالإضافة إلى تقارير عديدة عن الضرب والعنف ضد المرأة، والتي استمرت حتى بعد الانقلاب الأخير وتحديداً في القمع الذي حدث حول القصر الرئاسي خلال تظاهرات 19 ديسمبر2021م.

هذه الأدوات القمعية لم تنجح في إرهاب النساء، بل أدى ذلك إلى تظاهرات ووقفات احتجاجية في الخميس 23 ديسمبر، حيث وقف المتظاهرين والمتظاهرات في العديد من مدن السودان تنديدا بجرائم العنف والانتهاكات الجنسية التي تُتهم بها القوات الحكومية، ولدعم الناجيات والناجين من هذه الانتهاكات، وتسليم مذكرة إلى المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالسودان.

موكب مناهضة العنف والانتهاكات الجنسية 23 ديسمبر 2021 - تصوير: (بيم ريبورتس)

إقرأ المزيد: كيف استخدمت القوات الحكومية الإغتصاب سلاحاً في السودان؟ – تقرير بيم ريبورتس عن الانتهاكات الجنسية إبان تفريق مظاهرات 19 ديسمبر.

مشاركة فاعلة أم داعمة؟

صورت الكثير من التحليلات دور المرأة على أنها أكثر دعمًا وتحفيزًا للرجال، وهي ثقافة تعود إلى التقاليد القديمة حيث كان للمرأة أدوار مهمة في تشجيع الرجال في زمن الحرب مثل ما تفعله الحكامات في بعض مناطق السودان، والتي ظهرت في قصائد تدعم سمات الشجاعة والصمود. يُنظر إلى هذه الثقافة على أنها امتدت إلى ثورة ديسمبر حيث كانت الهتافات والزغاريد النسائية مصدرًا للقوة والشجاعة لمعظم الناس في الاحتجاجات.

كان للنساء السودانيات مشاركات منذ القدم في مناهضة الاحتلال الأجنبي والديكتاتوريات العسكرية، ومشاركتهن في الثورات السودانية عبر التاريخ، التي تمظهرت منذ اندلاع ثورة ديسمبر في عام 2018م، وهذا يشمل – على سبيل المثال لا الحصر – تفانيهن في مواصلة المشاركة في الاحتجاجات والتظاهرات الجماهيرية بالرغم من القمع المتواصل، وأدوارهن في لجان المقاومة والأجسام القاعدية والمهنية.

:مراجع
  1. Gada Kadoda & Sondra Hale (2015) Contemporary youth movements and the role of social media in Sudan, Canadian Journal of African Studies / Revue canadienne des études africaines, 49:1, 215-236

  2. Hale, Sondra. “Testimonies in Exile: Sudanese Gender Politics.” Northeast African Studies, vol. 8, no. 2, Michigan State University Press, 2001, pp. 83–128, http://www.jstor.org/stable/41931294.

  3. Liv Tønnessen and Samia al-Nagar (2013) The Women’s Quota in Conflict Ridden Sudan: Ideological Battles for and against Gender Equality

  4. فاطمة القدال – كتاب (شاهدة على مسيرة الإتحاد النسائي السوداني خلال نصف قرن من الزمان).

كيف يسعى (الدعم السريع) لتحسين صورته عبر واجهات أجنبية؟

نشرت صفحة (قوات الدعم السريع – الإعلام الإلكتروني) على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، وكذا صفحة (قوات الدعم السريع) على موقع (تويتر)، يوم السبت 5 فبراير 2022م، منشوراً ذكرت فيه أن دراسةً لـ(مركز رصد الصراعات في الساحل الأفريقي 2021 في باريس) أكدت أن “قوات الدعم السريع لعبت دوراً مهماً في تحريك المياه الراكدة في السياسة الأوروبية تجاه السودان، وأسهمت في ترسيخ التعاون بين السودان والاتحاد الأوروبي لمكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي باتت تهدد حياة الآلاف من المهاجرين”- وفقاً للمنشور.

المنشور نفسه، كان قد نُشر أولاً بموقعي (الرائد) و (أثير نيوز) الإلكترونيين، في يوم الأربعاء 2 فبراير 2022م. ونُشر لاحقاً في يوم الأحد 6 فبراير 2022م، بالموقع الإلكتروني لصحيفة (الصيحة)، تحت العنوان التالي: (قوات الدعم السريع تلعب دوراً مهماً في مكافحة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر).

ومن ثم تداولته شبكة واسعة من الحسابات والصفحات على مواقع التواصل الإجتماعي فيما بدأ وكأنه حملة ممنهجة لتلميع المليشيا شبه العسكرية.

وفي يوم الاثنين 7 فبراير 2022م، أعادت صفحة (قوات الدعم السريع- الإعلام الإلكتروني) على (فيسبوك)  النشر في ذات الموضوع، وكتبت منشوراً جديداً ضّمنته مقتطفات قالت إنها مقتبسة من كتاب بعنوان: (قوات الدعم السريع رأس الرمح في محاربة الهجرة غير الشرعية والإتجار بالبشر)، وقالت إن الكتاب من إعداد: (مركز رصد الصراعات في الساحل الأفريقي – باريس / ديسمبر 2021م). وعلى حساب قوات الدعم السريع بموقع (تويتر) نُشرت صورة تصميم غلاف لكتاب بالعنوان المذكور.

أورد المنشور، عدداً من الفقرات حول مشاركة الدعم السريع، في مهمة مكافحة الهجرة غير الشرعية ضمن (عملية الخرطوم) عام 2014م، ودور الدعم السريع في مكافحة الهجرة غير الشرعية.

وادعى المنشور أنه “بفضل اهتمام قوات الدعم السريع بالملف، تعززت علاقة السودان الدبلوماسية مع دول الاتحاد الأوروبي وتكونت آليات مشتركة (عملية الخرطوم)، ما مكّن السودان من الحصول على دعم لوجستي لحماية الحدود”. 

تشير (بيم ريبورتس) ان (عملية الخرطوم) هي العملية التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لوقف الهجرة غير الشرعية، ولاقت انتقادات في السودان وفي أوساط الرأي العام الأوربي ووُصِفت بأنها عملية مسيسة ساعدت حكومات تنتهك حقوق الإنسان لا سيما الحكومة السودانية، لكن الاتحاد الأوروبي نفى لاحقاً تقديم أي دعم لوجستي وفني للقوات العسكرية السودانية.

المنشور الذي ظهر اولاً على مواقع (الرائد) و(أثير نيوز) ثم لاحقاً نشرته الصفحات الرسمية لـ(قوات الدعم السريع – الإعلام الإلكتروني) على موقعي (فيسبوك) و(تويتر) ، وصحيفة (الصيحة)،  مُدعية أن المنشور منقول عن الكتاب المذكور أعلاه.

بالبحث عن الكتاب المُشار إليه، وجد فريق (بيم ريبورتس) صوراً لتصميم غلاف الكتاب، لكن لم يجد أثراً للكتاب المذكور في مكان آخر على الإنترنت.

وحسب المنشور، فإن الدراسة أجريت في عام 2021م.

تقصى فريق البحث في (بيم ريبورتس)، حول المركز والدراسة باللغات العربية، الانجليزية والفرنسية، ولم يجد  مصدراً للدراسة سوى عنوان الكتاب المذكور، والمنشورات التي روجت لها مواقع (الرائد)، (أثير نيوز)، وصحيفة (الصيحة) وصفحات (الدعم السريع) على فيسبوك وتويتر.

وفيما يتعلق بإسم المركز المذكور في المنشورات، (مركز رصد الصراعات في الساحل الأفريقي)، توصل فريق البحث في (بيم ريبورتس) إلى الآتي:-

  • ليس للمركز وجود على الإنترنت.
  • يظهر إسم (محمد علي كلياني) في عدد من الإستضافات الإعلامية بأنه مدير المركز المذكور.
  • (محمد علي كلياني) الذي يعرف نفسه بأنه مدير المركز، هو تشادي الجنسية، ويُعرف نفسه بأنه صحفي تشادي مقيم بفرنسا. يُطلق على نفسه عدداً من الألقاب منها (رئيس تحرير صحيفة الوحدة الدولية التي تصدر من فرنسا) ، و(مدير مركز رصد الصراعات في الساحل الإفريقي) ، و(صحفي) و(ناشط سياسي)، و (مهتم بالقضايا الحقوقية في مناطق النزاعات)، و(ومؤلف كتاب عن الانتهاكات الحقوقية في اليمن).
  • صحيفة (الوحدة الدولية) المذكورة في ملف كلياني، هي صحيفة أسبوعية كانت تصدر في باريس وتوقفت عن الصدور منذ سنوات.
  • يشارك (كلياني) في المناقشات في الشأن السوداني، وكتب (11) مشاركة في موقع النقاش السياسي السوداني الشهير (سودانيز أونلاين).
  •  قدم عدداً من الإفادات الصحفية لوسائل إعلامية حول الأوضاع في تشاد، اثنتين منهما لموقع (سبوتنيك عربي) الروسي، يومي 25 أبريل 
    و1 يونيو 2021، الأولى حول الوضع التشادي، عقب مقتل الرئيس إدريس ديبي، والثانية عن الإرهاب في الساحل الأفريقي، وإفادة لموقع الشرق السعودي حول الإرهاب في تشاد في 18 يناير 2021م، وإفادة لموقع (العربي الجديد)، بتاريخ 14 سبتمبر 2021، حول انضمام التشاديين للمليشيات السودانية.
  • نُشرت لمحمد كيلاني عدد من المقالات والتعليقات بموقعي (سودانايل) و (الراكوبة).
  • تواصل فريق البحث مع أحد المصادر ذات الصلة بالمركز المذكور، وأكد أن المركز لا يملك موقعاً على شبكة الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي.
  • يذكر (محمد علي كلياني) في حسابه على موقع (لينكد إن) أنه صحفي بصحيفة (الوحدة الدولية) وهي كما أشرنا توقفت عن الصدور منذ سنوات.

بالبحث في حساب الصحيفة على موقع (فيسبوك)، وجدنا أن أحد أعداد الصحيفة تناول في صفحته الأولى مكافحة الإرهاب و الهجرة غير الشرعية، عارضا صورة حميدتي في مقدمة الصحيفة كما يتضح في الصورة (1)، واصفا (حميدتي) ب “le redoutable général” والتي تترجم من الفرنسية للعربية ب”الجنرال الهائل” حسب ترجمة قوقل.

توصل فريق البحث في (بيم ريبورتس) إلى أن المركز المذكور يعمل به أحد السودانيين، وهو (عادل حسن محمد أحمد) الذي يشغل منصب مساعد مدير المركز، وهو لواء متقاعد و أستاذ بجامعة الرباط الوطني. كذلك وجد فريق البحث كتابين منشورين لعادل حسن، هما: (الدبلوماسية الناعمة في السياسة الصينية تجاه افريقيا العلاقات الصينية – السودانية نموذجاً) و(تحديات اﻷمن القومى السودانى بعد نهاية الحرب الباردة و استراتيجية مواجهتها).

ناقش اللواء المتقاعد ورقة بعنوان “الإسلاميون و مؤسسة الأمن” ضمن ندوة (مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية) بمشاركة (مركز تأسيس للدراسات و النشر) و (جامعة حمد بن خليفة) من دولة قطر و (جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم) التركية.

صورة (1)

يتضح من خلال عملية البحث والتقصي، أن المركز المذكور، لا يبدو كمركز بحثي موثوق، حيث لا وجود لعنوان مقره في باريس، كما يزعم ، بجانب عدم الوجود على الانترنت، و عدم وجود أية دراسات منشورة باسمه من قبل، فضلاً عن أن السودان ليس من بين دول مجموعة الساحل الأفريقي والتي تضم كلاً من: (تشاد، النيجر، موريتانيا، بوركينا فاسو ومالي). 

يبدو من الوقائع التي توصلنا إليها من خلال التقصي، أن المنشور الذي روجت له بعض المواقع السودانية، قد نُشر وفق خطة تهدف لتحسين صورة مليشيا (الدعم السريع) شبه العسكرية، عبر عدة منصات إلكترونية محلية وأجنبية. فظهور المنشور أولاً على صفحات ومواقع إلكترونية ومن ثم إعادة نشره بالمنصات الرسمية للدعم السريع،  في محاولة لخلق مصداقية لخبر مضلل من خلال الإيحاء بأن هذا الرأي يأتي من مركز بحثي موثوق مقره العاصمة الفرنسية باريس، لحمل المتلقين على تصديق الخبر عبر عملية تضليل ممنهجة.

يُشار إلى أن محاولات تحسين صورة المليشيات والقوات العسكرية السودانية كانت قد بدأت منذ مايو 2019م عقب سقوط البشير مباشرة، و استيلاء الجيش على السلطة في السودان بواسطة المجلس العسكري، ووقع نائب رئيس المجلس العسكري وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) عقدا بقيمة 6 مليون دولار مع شركة (ديكنز آند مادسون) الكندية -التي يديرها رجل الموساد السابق (آري بنياشي)- لتحسين صورة المجلس العسكري السوداني وتقديمه للرأي العام العالمي. 

المحاولات الحثيثة لتحسين صورة الدعم السريع التي تقف خلفها جهات داخلية وخارجية متعددة، تسعى لمحو سجل مليء بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي وثقتها العديد من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لا سيما منظمة (هيومن رايتس ووتش) التي اتهمت (الدعم السريع) بارتكاب مجازر بدارفور في العام 2015م.

وأشارت المنظمة الحقوقية ذائعة الصيت، في تقريرها

"أن جرائم الدعم السريع ترقى لتكون جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية"

وأورد التقرير: "ترقى انتهاكات قوات الدعم السريع للقانون الدولي الإنساني إلى جرائم حرب. وتبدو عمليات الاغتصاب الجماعي والقتل وغيرها من الانتهاكات جزءاً من هجمات واسعة النطاق ومنهجية على السكان المدنيين والتي قد تشكل جرائم ضد الإنسانية. والجرائم ضد الإنسانية هي جرائم خطيرة، تشمل القتل، والتعذيب والاغتصاب، المرتبكة ضمن هجوم واسع النطاق ومنهجي على السكان المدنيين".

وفي الخرطوم، قالت هيومن رايتس ووتش، إن (قوات الدعم السريع) “قادت حملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين في 3 يونيو 2019 في أحياء الخرطوم وبحري وأم درمان المجاورتين ، والتي خلفت ما لا يقل عن 120 قتيلاً ومئات الجرحى.” خلال فض إعتصام القيادة العامة.

جهات عديدة -أجنبية ومحلية- تسعى للسيطرة على، وتوجيه الرأي العام في السودان من خلال وسائل التواصل الإجتماعي وهذا الأمر أكدته دراسات عديدة، من بينها الدراسة التي أعدها البروفيسور مارك أوين جونز -المختص في دراسة عمليات التضليل و الاستبداد الرقمي- الذي كشف، مطلع العام الحالي عن “شبكة يبدو أنها موجودة في الغالب لتعزيز دور الإمارات العربية المتحدة في السودان، وفي بعض الأحيان تعمل على انتقاد جماعة الإخوان المسلمين”- حسب وصفه.

الشبكة المشار إليها، تنشط على موقع (تويتر) وتتكون من 26 حساباً تتفق في أن لها صورة شخصية لفتاة جذابة وصورة إطار (غطاء) عالية الجودة لإحدى مناطق الخرطوم. بالإضافة إلى أن اسم المستخدم الـ(Username) لا علاقة له بالاسم النمطي.

وفي مايو 2021م، كشف تقرير لـ(فيسبوك) عن شبكة تضليل روسية تستهدف المتلقي السوداني. وتنشط الشبكة على منصتي (فيسبوك) و(انستغرام) حيث بلغ مجموع متابعيها حوالي 440.000 متابع. تشكلت الشبكة من 83 حساب (فيسبوك) و 30 صفحة و 6 مجموعات و 49 حساب (انستغرام).

وفيما يبدو أنه مستوى جديد في التلميع يعمل عليه (الدعم السريع)، يتعلق في الأساس بمخاطبة مخاوف أوروبا من الهجرة غير الشرعية، ضمن استراتيجية روسية على الأرجح، لإثارة المخاوف من جهة، وضمان النظر إليها كقوة مؤثرة في المشهد السوداني لا يجب الاستغناء عنها، من جهة ثانية.

أما، داخلياً، فيبدو أن استراتيجية تحسين الصورة تعمل على حمل الرأي العام السوداني، إلى التفكير بجدية، بأن الخارج بات ينظر إلى (الدعم السريع) كقوات حسنة السمعة ومقبولة دولياً، من خلال الترويج لدور مزعوم لهذه القوات في مكافحة الهجرة غير الشرعية.

(ترس الشمال).. كيف تشكلت حركة المقاومة وما مطالب المحتجين؟

قبل أكثر من 15 عاماً، بدأت تتشكل ملامح حركة مقاومة سلمية مدنية ضد النظام البائد، في مناطق شمال السودان. برزت أولاً خلال مناهضة فرض نموذج “التنمية بالقوة” الذي تبناه النظام آنذاك، فإنشاء سد مروي الذي بدأ العمل به في العام 2003م واكتمل في العام 2009م، لم يكن محل ترحيب السكان المحليين، الذين تخوفوا أن يفقدهم السد أراضيهم الزراعية والسكنية، ويدمر حيواتهم وقراهم ويهجر سكانها إلى المجهول. فذاكرة الشمال مثخنة بجراح تهجير أهالي وادي حلفا منذ القِدم.

وقد كان أن تحققت تلك المخاوف، إذ تسبب إنشاء سد مروي في تهجير نحو 75 ألف من سكان المناطق المحيطة بمنطقة السد أو المتأثرة بإنشائه.

أهملت الحكومة مطالب السكان المحليين ولم تهتم بقضايا التعويض العادل لهم، وأثار ذلك حفيظة المواطنين الذين بدأوا في تشكيل حراك احتجاج سلمي رافض لإنشاء السد، واجهته السلطة بالقوة والعنف المفرطين. فـفي العام 2006م نظم مناهضو سد مروي تظاهرات سلمية في منطقة وادي العرقوب، بأمري، إحدى المناطق المتأثرة بإنشاء سد مروي، واجهتها الشرطة بالرصاص الحي وقتلت ثلاثة من المحتجين، وجرحت نحو 40 آخرين، واعتقلت القوات الأمنية العشرات من أهالي المنطقة.

وفي العام 2007م، أعادت الحكومة ذات السيناريو في منطقة “كدنتكار” بكجبار شمالي مدينة دنقلا، إذ أعلنت الحكومة عن خطتها لإنشاء سد بمنطقة كجبار، وأيضاً رفض الأهالي قيام السد، ونظموا تظاهرات سلمية للتعبير عن رفضهم، وواجهتها الشرطة بالقمع واستخدمت لتفريقها الرصاص الحي، وقتلت أربعة مواطنين، وأصيب نحو 15 آخرين، واعتقل العشرات من المواطنين.

كان الحراك الرافض لإنشاء السدود بالولاية الشمالية -في منطقتي كجبار ودال- تقوده اللجنة الشعبية لمناهضة سد كجبار، التي توسعت لاحقاً لتستوعب الحراك الرافض لإنشاء السدود في الولاية الشمالية، خاصة عندما أعلنت الحكومة البائدة عن تخطيطها لإنشاء نحو عشرة سدود بشمال السودان، حددت منها كجبار ، ودال، والشريك.

تحولت حركة مناهضة السدود إلى حركة مطلبية متماسكة ذات نهج واضح في عمل المقاومة السلمية، فلم تقتصر المطالب فقط في توفير الخدمات الأساسية والسكن الملائم لمتضرري السدود، بل إلى لفت النظر إلى تجاهل الحكومات لحقوق الأهالي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإلى رفض “فرض التنمية بالقوة”، وإلى رفض نهب الأراضي والثروات.

شكلت حركة مناهضة السدود بذرة المقاومة السلمية الأولى في شمال السودان، التي توسعت لاحقاً لتلفت النظر إلى نهب ثروات البلاد بأكملها، وليس نهب ثروات الشمال فقط.

حركة المقاومة السلمية عقب ثورة ديسمبر

أتاحت مساحة الحريات التي انتزعها الشعب السوداني عبر ثورة ديسمبر المجيدة، ظهور أشكال جديدة من تنظيمات المقاومة. فبجانب ميلاد لجان المقاومة في القرى والأحياء والقرى، تشكلت العديد من الأجسام المطلبية، والحقوقية وكيانات الطلاب والمهنيين، وتجمعات عائلات شهداء ثورة ديسمبر، ولجان التغيير والخدمات، ولجان متأثري سد مروي، والاتحادات المناطقية، وخلافها من الكيانات المدنية.

لم تنفصل حركة المقاومة السلمية بمدن وقرى الولاية الشمالية عن الحراك الثوري الذي انتظم جميع أرجاء السودان المناهض لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، وكانت لجان المقاومة بالولاية الشمالية تنظم مسيراتها السلمية ووقفاتها الاحتجاجية بالتزامن مع جداول الحراك الثوري الذي تقوده لجان المقاومة بكافة مدن السودان.

الحراك المناهض للسياسات الاقتصادية

أخذت أشكال المقاومة السلمية التي انتظمت الولاية تنحى باتجاه المطالب والحقوق الاقتصادية والسياسية بشكل متزايد، نتاج ما أفرزته ثورة ديسمبر من عمل مشترك وتفاكر متواصل بين لجان المقاومة والكيانات المدنية الأخرى بالولاية المترامية الأطراف، فانتظمت في أرجاء كثيرة من الولاية اعتصامات سلمية خلال العامين الماضيين، رفعت العديد من المطالب للمسؤولين، وحركت راكد الواقع بمختلف أشكال المقاومة السلمية.

في مطلع العام 2022م، فوجيء سكان الولاية بتطبيق زيادات كبيرة على أسعار الكهرباء، وطُبقت التسعيرة الجديدة للكهرباء فوراً على استهلاك القطاع الزراعي، كما شملت التسعيرة الجديدة زيادات كبيرة للاستهلاك المنزلي أيضاً.

كان قرار تطبيق الزيادات الكبيرة على أسعار الكهرباء بمثابة الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات السلمية الواسعة، في الولاية، الرافضة للسياسات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة، والمتمثلة في زيادات أسعار الكهرباء، وخلافه من إجراءات رفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات الأساسية، فقد مست هذه الزيادات عصب حياة الناس هناك، إذ أن اقتصادهم وسبل كسب عيشهم تعتمد بالأساس على الزراعة، ونظراً لارتفاع أسعار الجازولين وانعدامه في كثير من الأحيان، أصبحت الزراعة تعتمد كلياً على الكهرباء، وبالتالي فإن زيادة أسعار الكهرباء للقطاع الزراعي تعني عملياً تعطيل الموسم الزراعي الحالي، خاصة وأن الزيادات الجديدة طُبقت أثناء الموسم، وبدون أي تحوطات مسبقة من قِبل المزارعين.

مسألة الكهرباء نفسها في الولاية، تعتبر أحد مسببات الغبن، فالولاية التي خسرت الكثير من الأرواح والممتلكات وسبل العيش خلال مرحلة إنشاء سد مروي، لم تستفد من كهرباء السد بالصورة المثلى والمتوقعة، فقد وعدت الحكومة السابقة سكان الولاية بإعفائهم من رسوم الكهرباء لمدة عامين، ووعدت بتوفير الكهرباء للمشاريع الزراعية، لكنها لم تف بوعدها.

بعد أن أصبحت التسعيرة الجديدة للكهرباء واقعاً مفروضاً على المزارعين وأصحاب المشاريع الزراعية وكافة السكان المحليين، وبعدما بات الموسم الزراعي مهدداً بالفشل والخسائر، تحرك بعض المزارعين وملاك المشاريع الزراعية ورؤساء إدارات المشاريع والفاعلين لمجابهة المشكلة التي تهدد موسم زراعتهم، وحياتهم وسبل عيشهم.

انتظم الحراك في مناطق متفرقة من الولاية شاسعة الحدود، ففي أقاصي شمال الولاية (مناطق: دنقلا، والقولد، والحفير، والبرقيق) انتظم المزارعون ولجان المقاومة في حراك مناهض لزيادات الكهرباء تخللته مطالب أخرى.

حدود الولاية الشمالية

وفي المناطق الجنوبية للولاية (مدن: مروي، وكريمة، ونوري) أيضاً قاد المزارعون ورؤساء إدارات المشاريع الزراعية ولجان المقاومة حراكاً واسعاً بمطالب عديدة على رأسها قضية أسعار الكهرباء، وأيضاً في أواسط الولاية (مناطق: الدبة، قنتي، الغابة، الحامداب) بدأت التحركات المناهضة لأسعار الكهرباء.

كان يوم 8 يناير نقطة بداية التنسيق لعمل سلمي مقاوم، إذ نظم عدد من مزارعي محلية الدبة اجتماعاً بالمدير التنفيذي للمحلية، وطلبوا منه التدخل لحل مشكلة تسعيرة الكهرباء الجديدة، لكن المدير التنفيذي رد على تلك الدعوات بأنه لا يمكنه فعل شيء.

في هذه الأثناء، اقترح بعض ممثلي لجان المقاومة والتغيير والخدمات إغلاق طريق شريان الشمال عند منطقة الملتقى لتوصيل صوتهم وإعلان رفضهم لزيادة أسعار الكهرباء.

إغلاق محطة الملتقى وإعلان الاعتصام

في يوم 9 يناير أغلق المحتجون من خلفيات متنوعة (لجان مقاومة، لجان تغيير وخدمات، مزارعون، ملاك ومديرو مشاريع زراعية، ومواطنون مناهضون لزيادات أسعار الكهرباء) طريق شريان الشمال القاري الرابط بين السودان ومصر، عند محطة الملتقى.

تقع محطة الملتقى في محلية الدبة، جنوبي مدينة الدبة، وهي محطة التقاء طرق رئيسة -على طريق شريان الشمال- تربط بين شمال الولاية وجنوبها، وبين الخرطوم والولاية الشمالية وجمهورية مصر.

في ذات الوقت، كانت لجان مقاومة محلية مروي ولجان مزارعين بالمشاريع الزراعية بمحلية مروي تعمل على إعداد مذكرة مطالب لتقديمها إلى والي الولاية، وأيضاً كان هناك حراكاً واسعاً في المناطق الشمالية بالولاية (مناطق دنقلا وما جاورها).

عندما أغلق المحتجون الطريق القومي عند محطة الملتقى، تداعت لجان المقاومة والمناهضين من كافة أرجاء الولاية لدعم هذا الإغلاق، وسارعت لجان مقاومة محلية القولد إلى دعوة أعضائها ومواطني الولاية للتضامن مع المحتجين عند محطة الملتقى، وتنفيذ اعتصام مناهض للسياسات الاقتصادية، ورافض لزيادات الكهرباء.

خلال الإغلاق بمحطة الملتقى، جرى تنسيق سريع بين المحتجين، اُعلن على إثره تنفيذ اعتصام مفتوح بالملتقى.

بعد إغلاق الطريق لمدة ثلاثة أيام، وتنفيذ الاعتصام بنجاح، زار والي الولاية الشمالية محيط منطقة الاعتصام وطلب الاجتماع بمندوبين لمناقشة موضوع الإغلاق، إلا إن طلبه قوبل بالرفض، إذ أن “سكان هذه الولاية قد سئموا من اجترار الوعود الزائفة التي لا تتحقق”، حسبما يقول أحد منظمي الإعتصام لـ(بيم ريبورتس).

واتفق المحتجون على مذكرة مطالب مكتوبة، كما اتفقوا على أن اي نقاش يكون حول تنفيذ المطالب، لا فتح الطريق.

ما المطالب التي رفعها المحتجون؟

تعاني الولاية الشمالية منذ عقود طويلة من سوء الإدارة ونهب الأراضي وفساد المسؤولين، هذه المعاناة الطويلة خلقت وحدة في المواقف والرؤى، وتنوع في المطالب. فالولاية بمساحتها الشاسعة يتفق أغلب سكانها على أن نهب أراضيهم وخيراتها هو السبب الرئيس في تردي أحوالهم المعيشية.

تنوعت المطالب المرفوعة من اللجان المطلبية والمقاومة، لكن تنوع هذه القضايا لا يفصلها عن بعضها البعض إلا بمقدار ما يضمن مصالح سكان كل منطقة. ففي المناطق الجنوبية للولاية، كانت أبرز المطالب هي حقوق المتضررين من سد مروي، مثل إنشاء ترعتي سد مروي اللتين وعدت بهما الحكومة السابقة سكان المناطق الجنوبية وأخلفت الوعد. أما في المناطق الشمالية، فكانت أهم المطالب تتركز في منع الأضرار الصحية الناجمة عن التعدين الأهلي، واتفقت جميع المناطق على بعض المطالب مثل توفير الخدمات الحكومية من إنشاء المدارس والمشافي، بجانب منع تصدير المواد الخام السودانية إلى خارج البلاد، وكذلك تخفيض أسعار الكهرباء.

في يوم 12 يناير، ومع تصاعد الحراك بالولاية وانتظام الاعتصام بمنطقة الملتقى، أعلنت تنسيقية لجان مقاومة محلية مروي، أنها توافقت مع مواطني المنطقة، ومزارعيها، ولجان التغيير والخدمات، وإدارات المشاريع الزراعية على المطالب التالية:

  • استلام حصة الإقليم من عائدات السد بأثر رجعي وكل النسب المنصوص عليها .
  • إلغاء تعرفة الكهرباء الجديدة والرجوع للتعرفة ما قبل السابقة.
  • استلام عائدات التعدين بواسطة حكومة الولاية.
  • إيقاف الشاحنات المصرية التي تُهرب خيرات بلادنا من مواشي ولحوم حية وذهب وصمغ وخلافه.
  • إلزام الحكومة بإعادة تٱهيل طريق شريان الشمال الذي خربته تلك الشاحنات وٱودى بحياة أهالينا على طول الطريق.
  • حل مشاكل أهالينا بقرية (كولقيلي) ٱسفل السد وتعويضهم عن أراضيهم التي جرفها الهدام.
  • سفلتة طريق السد (أم سرح) لتسهيل عبور أهلنا المناصير بالخيار المحلي.
  • تشييد مستشفى بتلك القرى حتى لا يموت أطفالنا بلسعات العقارب وهم في الطريق لأقرب مستشفى.
  • رفض من يدعوا تمثيل الإقليم ونرفض وجودهم بأي شكل من الأشكال، فالذين يمثلوننا نختارهم من داخل التَرس.

في يوم 25 يناير، أعلنت لجنة (ترس كبري الحامداب)، المطالب التالية:

  • إلغاء زيادة أسعار الكهرباء الجديدة.
  • إعفاء مشاريع الولاية الزراعية من الكهرباء تعويضاً لخسائر الموسم الحالي.
  • إعطاء الولاية الشمالية نصيبها من كهرباء سد مروي.
  • إعطاء الولاية الشمالية نصيبها من عائدات التعدين.
  • تطبيق معايير السلامة على شاحنات البضائع بإنشاء نقاط موازين على الطريق القومي.
  • وضع تعامل واحد متفق عليه ملزم لدخول الشاحنات لحدود السودان ومصر.
  • إصدار قرار يمنع تصدير أي خام سوداني إلا بعد إدخاله في صناعات تحويلية.
  • إنشاء منطقة تجارية حرة.
  • البدء في صيانة طريق شريان الشمال.
  • البدء في إنشاء ترعتي سد مروي.

في يوم 6 فبراير، أعلنت (لجنة ترس مشو)، و(تنسيقية لجان مقاومة وحدة الحفير) مطالبها، وتمسكت بإغلاق طريق  شريان الشمال (دنقلا – أرقين) عند منطقة حفير مشو، إلى حين تحقيق كل المطالب التي أعلنتها، وهي:

  • إعادة تأهيل طريق شريان الشمال بما يطابق المواصفات الهندسية
  • إيقاف استخدام مادة السيانيد (المحرمة) في عمليات التنقيب 
  • أيلولة أموال شركات التعدين بالولاية لخزينة الولاية مع اخذ نسب المناطق في الاعتبار.
  • تخفيض أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي (كهرباء، سماد، محروقات الآليات الزراعية … الخ).
  • منع وتجريم تصدير أي خام سوداني إلا بعد إدخاله في صناعات تحويلية للاستفادة من القيمة المضافة.
  • عمل ميزان بالمعابر حفاظا على سلامة الطريق والمواطنين.
  • إنشاء مسلخ بالولاية للاستفادة من الثروة الحيوانية و تقليل نسب العطالة.
  • إنشاء مستشفى مؤهل (واحد على الأقل) بالولاية بما يطابق المعايير.

 وطالب المحتجون في (ترس البرقيق) بـ:

  • إلغاء مسار الشمال.
  • تمكين الشاحنات السودانية من نقل البضائع من معبر وادي حلفا إلى داخل السودان أسوةً بما تقوم به السُلطات المصرية من منع الشاحنات السودانية الدخول إلى الأراضي المصرية وتفريغ شحنتها في المعبر.
  • تقنين الصادرات السودانية إلى جمهورية مصر والتي لوحظ أنها تهرب مقدرات الشعب السوداني إلى دول الجوار من معادن نفيسة وخلافه.
  • المطالبة بحصة الولاية ومحلية البرقيق من عائدات التعدين.

يلاحظ المتتبع أن هذه المطالب لا تكاد تنفصل عن بعضها البعض، إلا بمقدار تباعد مساحات الولاية وطبيعة وخصوصية مشكلات كل منطقة، لكنها تتفق جميعها في مطلب رئيس: حقوق الناس الاقتصادية والاجتماعية، وحقهم في اختيار من يمثلهم.

من يُعرقل تحقيق مطالب أهل الشمال؟

بعد أن توحد الناس خلف هذه المطالب المعلنة، وأفلحوا في إغلاق الطريق القاري الرابط بين السودان ومصر (طريق شريان الشمال) عند محطة الملتقى وعدد من النقاط الأخرى، وجرت اتصالات بين لجان المناطق لتدعيم الإغلاق.

في هذه الأثناء، حاول البعض كسر تلك الوحدة بإجراء اتصالات سرية مع عضو مجلس السيادة أبو القاسم برطم، الذي أعلن بدوره في مؤتمر صحفي، يوم 12 يناير، “تجميد زيادات أسعار الكهرباء“.

“هذا الإعلان كان بمثابة نقطة فارقة في الاختبار والفرز بين أصحاب المطالب الحقيقية وبين متسلقي القضية والانتهازيين”، يقول أحد الشباب الذين يقفون على التروس بمنطقة كبري الحامداب لـ(بيم ريبورتس)، ويضيف: “بعد إعلان برطم لقرار التجميد، تحرك بعض أعوان برطم بمنطقة الدبة وأعلنوا أنهم قرروا رفع الترس بمنطقتي الملتقى والحامداب، لكن لأنهم لا وجود لهم في الأرض، فقد ظل ترس كبري الحامداب باقياً، على الرغم من أنهم أعلنوا عن رفعه”.

ويشير إلى أنه “بعد تشييد ترس كبري الحامداب، فقد تدنت أهمية ترس الملتقى، وتداعى غالبية المحتجين إلى ترس كبري الحامداب، لأن الكبري يعتبر أهم نقطة حيوية بالمنطقة ولا يمكن للشاحنات العابرة للحدود أن تمر بأي جهة أخرى خلاف هذا الكبري”.

قرار التجميد.. الخطة الأولى لتقسيم وحدة الحراك

كان الهدف من إعلان قرار تجميد زيادة أسعار الكهرباء هو بداية خطة الحكومة لتفكيك وحدة الحراك وعرقلة جهود تحقيق المطالب، ففي أعقاب إعلان مجلس السيادة عن قرار تجميد زيادات أسعار الكهرباء، مباشرة استخدمت الحكومة وسائل إعلامها وأعوانها المحليين لإظهار أن الناس منقسمون إلى فريقين، أحدهما يوافق على قرار التجميد والآخر رافض له. لكن في حقيقة الأمر أن الذين أغلقوا الطريق وأعلنوا مطالبهم من الترس، لم يخدعهم قرار تجميد أسعار الكهرباء.

ففي الوقت الذي أعلن فيه أعوان برطم أنهم رفعوا اعتصامهم وفتحوا الطرق، بادرت لجان المقاومة إلى عقد مخاطبات جماهيرية بعدد من المناطق، أوضحت فيها بأن “قرار زيادات أسعار الكهرباء صادر بالأساس من جهات تنفيذية، ومجلس السيادة لا يحق له التدخل في القرارات التنفيذية، علاوة على أن التجميد هو محاولة لشراء الوقت والتلاعب بالقضية، فلا رجوع عن إغلاق الطرق إلا بإلغاء الزيادة نهائياً وتنفيذ كافة المطالب المعلنة”، حسب المخاطبات.

وفي رد فعل أكثر جذرية، أعلنت (تنسيقية لجان مقاومة محلية مروي) بأنها لا تعترف بحكومة فاقدة للشرعية، وقالت في بيان لها، اطلعت عليه (بيم ريبورتس): “نحن لا نعترف أصلاً بالمجلس الانقلابي والحكومة غير الشرعية”، وأضافت أن قرار تجميد زيادات أسعار الكهرباء “لا يعنينا في شيء”، وأعلنت مواصلتها لإغلاق الطريق حتى تتحقق كافة المطالب المُعلنة.

وشرحت التنسيقية في بيانها، أن مسألة تجميد زيادات أسعار الكهرباء الهدف منه “الترويج لبرطم”.

وتشير متابعات (بيم ريبورتس)، إلى أن عضو مجلس السيادة أبو القاسم برطم يواجه رفضاً شعبياً واسعاً في الولاية الشمالية، فقد سبق أن حاول برطم إغلاق طريق شريان الشمال بالتزامن مع إغلاق ميناء بورتسودان الذي قاده (تِرك) للتضييق على الحكومة الانتقالية وقتها، وكان (برطم) ينسق ويتعاون مع (تِرك) ومع أعوان محليون بالولاية الشمالية لإغلاق طريق شريان الشمال، لكن لجان المقاومة -حينها- أفشلت خطته، وأكسبته رفض أهل الولاية.

خدعة قرار تجميد أسعار الكهرباء

مع مرور الأيام، ومواصلة الإغلاق، اتضح أن قرار تجميد زيادات أسعار الكهرباء هو بالفعل “محاولة لشراء الوقت” كما قالت لجان المقاومة، إذ أن الحكومة لم تلتزم بقرار التجميد، وطبقت الزيادات الجديدة، على الرغم من تصاعد الاحتجاجات.

هذا التجاهل الرسمي لمطالب المحتجين، أدى إلى توسيع رقعة الحراك وانتشاره بكافة مناطق الولاية.

توسع الحراك على امتداد الولاية الشمالية

  • بدأ الإغلاق يوم 9 يناير في محطة الملتقى، بمحلية الدبة، ومع مرور الوقت توسعت نقاط الإغلاق وتشييد التروس الجديدة بنحو أكثر من 15 نقطة إغلاق على امتداد مناطق الولاية.

وقد تداعت لجان المقاومة بالمدن والقرى إلى تشييد التروس الجديدة وزيادة نقاط الإغلاق، ودعم التروس القائمة وتقويتها وتنظيم لجانها.

كما ساهمت الاتحادات والروابط والجمعيات الأهلية في مساندة التروس، وانتشار نقاط الإغلاق بالولاية.

  • ففي يوم 11 يناير أعلن (اتحاد أبناء المحس) في بيان بأنه “سيعمل على تحويل الاعتصامات القائمة |في الولاية| ضد زيادات الكهرباء إلى اعتصامات دائمة لاسترداد السلطة المدنية الكاملة، في كل السودان”.
  • وفي يوم 13 يناير، أعلنت (تنسيقية لجان مقاومة محلية مروي) تتريس الطريق القومي، إلى حين الاستجابة لمطالب أهل الولاية المعلنة.
  • وفي يوم 18 يناير، أعلنت (لجان مقاومة محلية البُرقيق) عن “إغلاق طريق شريان الشمال رفضاً للحكومة الانقلابية والمجازر التي حدثت في حراك 17 يناير في حق بنات وأبناء الشعب السوداني في الخرطوم والولايات”.
  • وفي يوم 22 يناير، أعلنت (تنسيقية لجان مقاومة وحدة الحفير)، عن تتريس الطريق القومي، “منعاً لتهريب خيرات البلاد”.
  • وفي يوم 23 يناير، أعلنت (لجان المقاومة بمحلية دلقو) عن إغلاق طريق السليم- حلفا في محلية دلقو  “رفضاً لزيادات الكهرباء”.
  • وفي يوم 24 يناير، أعلنت (لجان المقاومة بمنطقة الحفير) عن بدء إغلاق طريق دنقلا- أرقين في منطقة مشو، وطالبت بعائدات الولاية من التعدين.
  • وفي يوم 25 يناير، أعلنت (لجان مقاومة القولد) عن بدء إغلاق طريق شريان الشمال عند البوابة الجنوبية لمدينة القولد عند (كبرى مشروع رومي البكري الزراعي) وقالت في بيان “سيستمر التصعيد حتى سقوط الانقلاب العسكري ومشاركيه، وحتى إسقاط جبايات الكهرباء ومنفذها وزير المالية الانقلابي” – طبقاً للبيان.
  • بحلول يوم 30 يناير كانت هناك 9 نقاط إغلاق بالولاية الشمالية، على طول الطريق القاري الرابط بين السودان وجمهورية مصر.

مع تزايد نقاط الإغلاق، بدأت عملية تنظيم واسعة للتروس، وتم تشكيل لجان بكافة التروس، كما تم الإعلان عن ضوابط ومعايير لتنظيم الإغلاق.

يقول أحد منظمي لجنة ترس الحامداب لـ(بيم ريبورتس) “منعاً للتلاعب بقضايا الولاية ومطالب سكانها شكلت لجان المقاومة، والمزراعين، وكافة الرافضين لزيادات أسعار الكهرباء لجان للتروس، وبدأت عملية الإغلاق بصورة منتظمة ومنظمة”.

تنظيم نقاط إغلاق الطرق ولجان (التروس)

يقول أحد أعضاء تنسيقية لجان مقاومة الولاية الشمالية، لـ(بيم ريبورتس)، بعد الإعلان عن توسيع نقاط الإغلاق (مناطق التتريس) خصوصاً في المناطق الحيوية مثل الكباري والجسور، وتشكيل لجان للتروس، حددت تلك اللجان ضوابط ومعاييرعلنية ومتفق عليها لتنظيم التروس، على النحو التالي :

  • يسمح بمرور البصّات السفرية والعربات الخاصة وعربات النقل الداخلية  والإسعاف .
  • يسمح بمرور البصات القادمة من معبري أرقين وأشكيت التي تحمل بضائع بصحبة راكب .
  • يمنع مرور الشاحنات المصرية العابرة بالطريق ( وارد وصادر).
  • يمنع مرور الشاحنات والدفارات السودانية  التي تحمل البضائع ماعدا البلح والخضروات والفواكه والبصل .

ويواصل بالقول: “كانت هذه المعايير بمثابة نقلة في تنظيم التروس، وتهدف إلى الحفاظ على موارد البلاد، وفي نفس الوقت الحفاظ على حقوق مستخدمي الطريق القومي، كما أنها من ناحية ثالثة تهدف إلى فضح المتلاعبين بقضايا المنطقة، والذين يحاولون ليلاً ونهاراً فض التروس أو تفكيك وحدة وتماسك الحراك”.

من يسعى إلى تفكيك وحدة الحراك؟

كان قرار مجلس السيادة المتعلق بتجميد زيادات الكهرباء، الخطوة الأولى في سعي الحكومة إلى تفكيك وحدة الحراك في الشمالية- كما أشرنا آنفاً- . فانتشار التروس على مساحات شاسعة بطول الطريق القومي، وترابط اللجان ودعم السكان المحليين للإغلاق، دفع بالحكومة إلى ابتدار آليات جديدة لتفكيك وحدة الحراك.

فبعد إعلان مجلس السيادة قرار تجميد زيادة أسعار الكهرباء (القرار الذي لم يتم تنفيذه)، كان أعوان عضو مجلس السيادة أبو القاسم برطم قد أعلنوا عن ميلاد جسم أطلقوا عليه (تجمع مزارعي الولاية الشمالية) وأعلنوا عن مطلب وحي وهو التراجع عن زيادات أسعار الكهرباء، وفي واقع الأمر أن “هذا الجسم لا وجود له على الأرض، وهو أحد الآليات التي استخدمتها السلطة لتفكيك وحدة الحراك” ، كما يقول أحد أعضاء مجلس إدارة مشروع أمري الزراعي.

بعد 17 يوماً من الإغلاق، أُعلِن عن ميلاد هذا الجسم، وبحسب لجان المقاومة ولجان المزارعين بالمنطقة، فإن “هذا الجسم هو صنيعة برطم، وتم الإعلان عنه في محاولات أعوان برطم وأعضاء المؤتمر الوطني المحلول لسرقة الحراك وتسلقه، ومن ثم إفشال الحراك في تحقيق مطالب أهل الولاية”.

في يوم 6 فبراير أعلن (تجمع مزارعي الولاية الشمالية) عن رفع التروس وإنهاء الإغلاق وجاء الإعلان في وكالة السودان للأنباء (الرسمية)، على الرغم من أن الوكالة لم يسبق لها تناول أخبار حراك الشمالية، وورد الإعلان على لسان رضا السيد، الذي وصفته الوكالة بأنه “رئيس تجمع مزارعي الولاية الشمالية”

فمن هو رضا السيد؟، ومن يعاونه في صناعة جسم يسعى لتفكيك وحدة حراك الشمالية؟

يجيب على هذه الأسئلة أحد أعضاء لجان المقاومة بمنطقة الدبة، وتوصلت (بيم ريبورتس) إلى معلومات متطابقة من عدد من المصادر، تتفق مع إفادة عضو بلجان مقاومة الدبة، حول بعض الأشخاص الذين يقفون خلف (تجمع مزارعي الولاية الشمالية) :-

  • رضا السيد الأنور الإدريسي: من أسرة دينية، بمنطقة الغابة بالولاية الشمالية، أحد أبرز معاوني أبو القاسم برطم، وتعاون معه -سابقاً- لإغلاق طريق شريان الشمال إبان فترة إغلاق شرق السودان، وتربطه علاقات مع بعض قيادات الدعم السريع.
  • حافط فتحي: من منطقة الكرد، جنوب مدينة الدبة، عضو بحزب المؤتمر الوطني المحلول، صاحب توكيلات غاز بمحلية أمبدة/أمدرمان، وصاحب محطات بترولية بمحلية الدبة/الولاية الشمالية.
  • معتصم مجذوب أحمد: من منطقة الجابرية، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول بمحلية الدبة، حتى لحظة سقوط البشير، متهم بالتلاعب في بيع أراضي حكومية لمصلحته الخاصة.

بحسب تقصيات (بيم ريبورتس) يقف هؤلاء الأشخاص وآخرين خلف الكيان المصنوع الذي يسمى بـ(تجمع مزارعي الشمالية)، والذي يحاول صناعته أبو القاسم برطم، بالتعاون مع أعضاء حزب المؤتمر الوطني المحلول، لتفكيك وحدة حراك الشمال.

نقاط الإغلاق على الطريق القومي (شريان الشمال)

منذ يوم 9 يناير، بداية الإعلان عن إغلاق طريق شريان الشمال، وحتى اليوم، توسعت نقاط الإغلاق بصورة كبيرة، خاصة مع المحاولات المستمرة من قبل الحكومة وأعوانها لفتح الطرق وفض التروس.

هنالك نقاط إغلاق حيوية ورئيسة، مثل النقاط التي تقع على الجسور والكباري، وكانت هذه النقاط هي الأكثر مهاجمة من قبل الحكومة وأعوانها، وهي التي عطلت حركة الشاحنات على الطريق القومي تماماً، كما توجد نقاط إغلاق فرعية تساعد على تعطيل حركة الشاحنات، ويستخدمها المحتجون كنقاط مُساعِدة.

فيما يلي تُوضح (بيم ريبورتس) أبرز مناطق نقاط الإغلاق (التروس) على امتداد الولاية، وفقاً للترتيب الجغرافي من الجنوب إلى الشمال:-

  1. ترس تنقاسي: عند منطقة تنقاسي، على الطريق القومي الرابط بين مروي والخرطوم.
  2. ترس القرير: بمنطقة القرير، عند تقاطع القرير  في الطريق الرابط بين مدينتي مروي وعطبرة.
  3. ترس القرية 4: بمنطقة القرية 4 في أمري الجديدة، على الطريق القومي الرابط بين مدينتي الخرطوم ومروي.
  4. ترس الملتقى: محطة الملتقى، بمحلية الدبة، على الطريق القومي الرابط بين السودان ومصر، تدنت أهميته عقب انشاء ترس كبري الحامداب، وانتقل الحادبين من حراسه إلى تروس أخرى بالحامداب والجابرية.
  5. ترس كبري الحامداب: عند منطقة الحامداب بمحلية الدبة، على جسر رئيس بالطريق القومي الرابط بين السودان ومصر، تم الاعتداء على الترس، يوم الأربعاء 9 فبراير، وفضه بواسطة مدنيين مسلحين يتعاونون مع أبو القاسم برطم، تحت مسمى اتحاد المزارعين. تم تحويل الترس مباشرة إلى كُبري الجابرية، وقالت اللجنة المنظمة للترس في بيان انها ستعيد تشييده من جديد.
  6. ترس كبري الجابرية: منطقة الجابرية، بمحلية الدبة، جنوبي مدينة الدبة، على الطريق القومي الرابط بين السودان ومصر. تم تدشينه عقب فض ترس كبري الحامداب، يوم 9 فبراير. تم فضه بالقوة بواسطة الشرطة وعناصر مدنيين موالين لحزب المؤتمر الوطني المحلول، صباح 10 فبراير. وأعلنت لجنته عن عزمها إعادة إنشاءه مرة أخرى.
  7. ترس الغابة: بمدينة الغابة، على الطريق القومي الرابط بين السودان ومصر. تم تدشينه يوم 11 فبراير، عقب فض ترس كبري الجابرية. 
  8. ترس القولد: عند كبري مشروع رومي البكري الزراعي، بمدخل مدينة القولد، على الطريق القومي الرابط بين السودان ومصر.
  9. ترس سورتود: عند قرية سورتود، شمال مدينة دنقلا، على الطريق القومي، تم تدشينه يوم 10 فبراير، عقب دهس أحد الثوار بالمنطقة بواسطة سائق شاحنة مصري الجنسية.
  10. ترس الحفير: على طريق دنقلا – أرقين ، قبالة منطقة حفير مشو، حاولت قوات عسكرية مشتركة فضه أكثر من مرة، ولكن في كل مرة يُعاد تشييده من جديد.
  11. ترس البرقيق: منطقة البرقيق ، محلية البرقيق، على الطريق القومي.
  12. ترس دلقو: على شارع السليم – حلفا، بمنطقة دلقو.
  13. ترس كويا:  بمنطقة كويا، شمال مدينة دنقلا، على الطريق القومي.
  14. ترس صواردة: على طريق السليم –اشكيت، قبالة منطقة صواردة.
  15. ترس عبري: بمنطقة عبري، محلية عبري، شمال مدينة دنقلا، على الطريق القومي.

من بين نقاط الإغلاق الـ15 المُبيّنة في الخريطة التفاعلية رقم (2) أعلاه، توجد نقاط إغلاق مستديمة، ونقاط إغلاق مؤقتة، ونقاط إغلاق اندمجت مع أخرى نسبة للقرب الجغرافي، أو تدني أهميتها، أو الهجوم عليها من قبل المتفلتين المدعومين من أبو القاسم برطم.

تعتبر نقطة إغلاق كوبري الحامداب (ترس كبري الحامداب) أحد نقاط الإغلاق المهمة بالمناطق الجنوبية للولاية، وتأتي أهمية هذه النقطة نظراً لأنها أقيمت عند الجسر الوحيد بالمنطقة الذي يعبر أحد قنوات الري (ترعة) بمشروع أمري الزراعي، ويستحيل عبور الشاحنات العابرة للحدود شمالاً أو جنوباً دون المرور بهذا الجسر.

ونظراً لأهمية هذه النقطة، فقد كانت أول النقاط التي استهدفتها الحكومة ودعمت متفلتين لفضها بالقوة.

وشمالاً، تعتبر نقطة الإغلاق بمنطقتي (عبري) بمحلية عبري، و(حفير مشو)، بوحدة الحفير الإدارية، شمال دنقلا (ترس مشو) من النقاط المهمة باعتبارها أولى نقاط الإغلاق من ناحية الشمال.

فيما يتعلق بالصادرات التي عطلتها نقاط الإغلاق، تقول لجان التروس إنها أوقفت شحنات كبيرة من المواد الخام، مثل السمسم، الكركدي، البصل، علاوة على توقيف شاحنات محملة بإناث الإبل وإناث المواشي.

وبحسب بيان صادر عن لجنة (ترس مشو)، فإن عدد من هذه الشاحنات تتبع لقوات الدعم السريع.

ما الانتهاكات التي ارتكبتها “القوات النظامية” بحق مُناهِضي انقلاب 25 أكتوبر في السودان؟

منذ صبيحة الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم، احتشدت شوارع السودان بعشرات الآلاف من المتظاهرين السلميين المناهضين للانقلاب الذي قاده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وفي المقابل حشد البرهان الجيوش لقمع المسيرات الرافضة لانقلابه والمُطالِبة بالحكم المدني.

حاول البرهان والقوى الإنقلابية تثبيت أركان سُلطة الأمر الواقع بقوة السلاح والبطش، لكن ذلك لم يثنِ عزم الشارع ومده المتصاعد، وانتظمت المقاومة السلمية المتنامية في قرى ومدن السودان بمواكب الرفض والاحتجاج، التي لم تهدأ منذ فجر الإنقلاب، بالرغم من القمع المفرط الذي واجهته.

في الرابع والعشرين من ديسمبر -بعد شهرين من الانقلاب- وفي محاولاته لتحجيم تمدد الرفض الشعبي لانقلابه على السلطة المدنية، أصدر الفريق أول عبدالفتاح البرهان أمر الطوارئ رقم (3) والذي فوض بموجبه “القوات النظامية” بقمع المظاهرات السلمية من خلال منحهم الحصانة من المساءلة القانونية، بجانب سلطة الاعتقال والتفتيش ودخول الأماكن.

وتشمل “القوات النظامية” المشار إليها في أمر الطوارئ، قوات الشرطة، والقوات المسلحة، والدعم السريع وجهاز المخابرات العامة.

أطلق أمر الطوارئ رقم (3) يد القوات الحكومية في ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق التجمعات والمواكب السلمية المُناهِضة للانقلاب العسكري.

ويلاحظ المراقب للأوضاع في السودان، إن القمع الذي ووجهت به مظاهرات يوم 30 ديسمبر السلمية بأمدرمان، بدا وكأنه تدشين لعهد جديد من القمع العنيف ضد المتظاهرين السلميين، بعد أن مُنحِت “القوات النظامية” الحصانة من المساءلة القانونية في الأفعال التي ترتكبها بالمخالفة للقوانين السارية ومعاهدات حقوق الإنسان.

يرصد هذا التقصي ، الجرائم الموثقة بأدلة رقمية التي ارتكبتها القوات النظامية منذ يوم 25 أكتوبر 2021م وحتى منتصف يناير 2022م.

جمعنا الأدلة الرقمية المرفقة مع هذا التقصي من خلال استخدام تقنية البحث في المصادر المفتوحة.

الجرائم الموثقة بأدلة رقمية التي ارتكبتها القوات النظامية منذ يوم 25 أكتوبر:

1- القتل:

قتلت القوات النظامية (الجيش، الشرطة، الدعم السريع، المخابرات العامة) منذ يوم 25 أكتوبر 2021م وحتى يناير الحالي (64) من المتظاهرين السلميين، بحسب الإحصائيات التي أعلنتها وزارة الصحة بولاية الخرطوم، ولجنة الأطباء المركزية.

 وتبين الأدلة المرفقة أن الإصابات كانت مباشرة وتستهدف الرأس والصدر والعنق، أي أن الهدف منها كان القتل وليس التعطيل.

تبين الوثيقة الطبية التالية أنواع الإصابات

و تبين الأدلة التالية، أيضاً، الاستهداف المباشر للمتظاهرين

لا جريمة أفدح من القتل في كل الشرائع والتشريعات وجميع القوانين والأعراف.

وتنص المادة 6 (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية- والسودان طرف فيه- على أن “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً”.

وقعت جميع حالات القتل، المشار إليها، خلال قمع القوات العسكرية للمظاهرات السلمية، ما يعني أن القتل استهدف أشخاصاً كانوا يمارسون حقهم في التعبير والتجمع السلمي، ومن المعروف أن هنالك قواعد تحكم استخدام القوة لتفريق التجمعات السلمية أو غيرها .

كما أن هناك قيود قانونية تحكم حدود استخدام استخدام القوة من قِبل “موظفي إنفاذ القانون”. وعلى سبيل المثال، فإن وثائق دولية مثل (مدونة قواعد السلوك للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين) و(المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين‏) قد حددتها شروط استخدام القوة لتفريق التجمعات السلمية.

"علاوة على شروط استخدام القوة لتفريق التجمعات السلمية والقواعد الضابطة له، فإن تفريق التجمعات السلمية نفسه يعتبر مخالفاً للقانون، نظراً لأن الحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات والتعبير من الحقوق المكفولة بموجب القانون الدولي والإقليمي لحقوق الإنسان، ولهذا الحق أهميته في سبيل تحقيق التمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية"

محمد عثمان، الخبير القانوني والباحث المختص بالسودان في منظمة (هيومن رايتس ووتش)

ويضيف عثمان في تصريح خاص لـ(بيم ريبورتس)، بموجب القانون الدولي، تقع على عاتق الدول التزامات ثلاث لحماية الحق في التعبير والتجمع السلمي، وهي:

  • الإحجام عن ارتكاب الانتهاكات، بما في ذلك الاستعمال المفرط للقوة
  • ضد أفراد يمارسون حقهم في التجمع السلمي والتعبير وتكوين الجمعيات؛
  • حماية الأفراد الذين يمارسون هذه الحقوق من التجاوزات التي ترتكبها الجهات الفاعلة من غـير الـدول؛
  • إحقاق هذه الحقوق باتخاذ تدابير إيجابية لمنع حدوث أي انتهاكات، وكفالة تمكـن الجميع من ممارسة هذه الحقوق بحرية وفعالية.
  • وعندما تحدث الانتهاكات، تكـون الدولـة ملزمة بإجراء تحقيق شامل في هذه الأفعال وتوفير سبل انتصاف فعال للضحايا .
  • وفي حال أخفقت الدولة في التزاماتها الموضحة أعلاه، فهي تخضع للمساءلة أيضاً.

استخدام أسلحة محرمة في المدن :

تبين الأدلة الرقمية المرفقة ان القوات الأمنية والعسكرية التي فرقت مظاهرات يوم 30 ديسمبر بأمدرمان، وما بعدها، استخدمت أنواع من الأسلحة التي لا يجوز استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان.

الفيديو المرفق أعلاه، أدلة تبين نوع السلاح المستخدم لتفريق التظاهرات السلمية بمحيط شارع الشهيد عبد العظيم (الأربعين سابقاً) بأمدرمان في يوم 30 ديسمبر 2021م، وفي منطقة حلة حمد بالخرطوم بحري، في يوم 13 يناير 2022م.

وطبقاً لإفادة الخبير العسكري، المقدم ركن بحري (معاش) عمر أرباب، لـ(بيم ريبورتس)، فإن هذا السلاح المثبت على متن العربة اللاندكروزر المبينة في الأدلة أعلاه، هو

مدفع 12.7 (دوشكا) وهو سلاح مضاد للطيران، وهو في الأصل سلاح روسي، ولكن أصبح يُصنع في كثير من بلدان العالم، والسودان من الدول المصنعة لهذا النوع من السلاح

ويفيد أرباب بأن هذا السلاح "متوفر لدى كل الأجهزة الأمنية في السودان (الجيش، والشرطة، والدعم السريع، وجهاز المخابرات)، ولكنه أكثر استخداماً من قِبل الجيش والدعم السريع".

وفيما يتعلق بالجهات العسكرية التي تستخدم هذا النوع من السلاح، يفيد أرباب بأن هذا السلاح "متوفر لدى كل الأجهزة الأمنية في السودان (الجيش، والشرطة، والدعم السريع، وجهاز المخابرات)، ولكنه أكثر استخداماً من قِبل الجيش والدعم السريع".

أما بخصوص استخداماته، يقول الخبير العسكري عمر أرباب، انه " لا ينبغي استخدام هذا النوع من السلاح داخل المدن أو المناطق الماهولة بالسكان"، وذلك لفداحة تأثيره.

وتفيد المعلومات حول هذا السلاح بأن سرعة رميه 125 طلقة في الدقيقة، ومدى الرمي 3500 متر، وارتفاع الأهداف الجوية التي يصيبها 2500 متر ويمكنه أن يخترق درعاً بسمك 16 ملم من على بعد 500 متر.

تحدد المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من قبل المكلفين بإنفاذ القانون الحالات التي يُسمح فيها باستخدام القوة.

ومع ذلك، فإن استخدام القوة المميتة له ما يبرره فقط عند حماية الأرواح. ويجب إعطاء تحذير قبل استخدام القوة، مع إتاحة الوقت الكافي لمراعاته.

و في هذا الصدد، يقول الخبير القانوني محمد عثمان "حتى لو سعى بعض المتظاهرين لصد القوات بإلقاء الحجارة عليها، لن يكون لاستخدام الذخيرة الحية ما يبرره".

ويخضع تفريق التجمعات السلمية وغير العنيفة لضوابط محددة بموجب القانون الدولي ، ومن المبادئ الأساسية في هذا السياق، في حالة التجمع المشروع والسلمي لا يجوز استخدام القوة، وإذا توفر سبب وجيه لتفريق تجمع سلمي غير مشروع، يجوز استخدام القوة في حدها الأدنى، ولا يوجد اي سند أو مسوغ لإستخدام القوة المميتة، وتجدر الإشارة هنا إلى انه “مجرد استخدام بعض المحتجين للعنف لا يحوِّل المظاهرة ككل إلى تجمع غير سلمي”، كما ورد في أحد تقارير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات التابع للأمم المتحدة.

ومهما كان الأمر فإن هذا النوع من السلاح المستخدم في تفريق المظاهرات السلمية، وكذلك فداحة تأثيره وقوته غير قانونيين بتاتاً، ويمثلان جرائم جنائية بموجب القانون الداخلي والدولي، ويجب معاقبة مرتكبيها، وتشمل المعاقبة والمحاسبة موجهي الأوامر والمنفذين معاً .

3- إطلاق الغاز المسيل للدموع بشكل مُوجّه :

تفيد تقارير لجنة الأطباء المركزية، ووزارة الصحة بولاية الخرطوم إلى أن هنالك مئات الإصابات ناتجة عن توجيه عبوات الغاز المسيل للدموع مباشرة على أجساد المتظاهرين السلميين.

وتبين الأدلة المرفقة أعلاه على أن القوات الأمنية والعسكرية تستخدم قنابل الغاز كسلاح موجه، وهذا يعضد فرضية أن القوات الأمنية تستخدم الأسلحة التي بحوزتها للقتل، وليس لتفريق التجمعات، إذ أن استخدام الغاز المسيل للدموع بشكل موجه هو أمر محرم في التشريعات الدولية والإقليمية، لأن الغرض من استخدام ما يعرف بـ(الأسلحة غير الفتاكة) هو تفريق الحشود الخارجة عن السيطرة أو التي جنحت للعنف، وليس للإعتداء أو إلحاق الأذى بالمتظاهرين السلميين.

يقول محمد عثمان، الباحث المختص بالسودان في هيومن رايتس ووتش لـ(بيم ريبورتس)، "حينما يُسمح باستخدام الغاز المسيل للدموع للسيطرة على الحشود عندما يتحول الاحتجاج إلى أعمال عنف، يجب ألا تستخدم القوات الغاز المسيل للدموع إلا عند الضرورة ولمنع المزيد من الأذى الجسدي؛ وحيثما أمكن، يجب عليهم إصدار تحذيرات قبل إطلاقها".

إقرأ أيضاً: المادة الزرقاء – تقرير بيم ريبورتس عن المادة الزرقاء التي استخدمتها الشرطة لتفريق المتظاهرين في السودان

لكن المتتبع لعمليات تفريق المحتجين السلميين في السودان يُلاحظ إن القوات العسكرية لا تصدر أية تحذيرات قبل إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين، وكما تبين الأدلة المرفقة أعلاه، فإنها تستخدمه كسلاح موجه لتسبيب الأذى، وتبين إحصاءات وزارة الصحة بولاية الخرطوم، وإحصاءات لجنة الأطباء المركزية مئات الإصابات الناجمة عن التوجيه المباشر لبنادق الغاز على أجساد المتظاهرين. وهذا الاستخدام مخالف للوثائق الدولية المتعلقة باستخدام (الوسائل غير الفتاكة) لتفريق الحشود الخارجة عن السيطرة، ومخالف أيضاً لتوجيهات الشركات المُصنعة لهذا النوع من الأسلحة.

إقرأ المزيد: علب الموت – تقرير بيم ريبورتس عن عبوات الغاز المسيل للدموع المستخدم بالسودان

الإعتداءات على المرافق والطواقم الطبية:

سجلّت الإحصاءات التي أعلنتها وزارة الصحة بولاية الخرطوم و لجنة أطباء السودان المركزية (18) حالة إعتداء على المرافق الطبية والعاملين بالحقل الصحي والطبي، منذ وقوع الانقلاب العسكري في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي، وحتى مطلع يناير الحالي، جميع الإعتداءات المذكورة شنتها القوات الأمنية والعسكرية، وشملت هذه الإعتداءات ضرب وإيذاء بدني للكوادر الطبية والمسعفين والعاملين بالحقل الصحي، واعتداءات على مصابين، ومنع وصول عربات الإسعاف، بجانب إلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع داخل المستشفيات والمرافق الصحية.

وتُبيّن الأدلة المرفقة حالات إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع داخل مستشفى الخرطوم، كما تبين البيانات اعتداءات على  عدد من المشافي منها مستشفى الأربعين بأمدرمان ومستشفى الخرطوم، وفي حالات تم اعتقال مصابين من داخل تلك المشافي، وأدان المجلس القومي السوداني للتخصصات الطبية تلك الاعتداءات.

يمثل الاعتداء على المرافق والطواقم الطبية، لا سيما استخدام الغاز المسيل للدموع داخل المستشفيات أحد المحظورات والجرائم المحرمة بموجب القانون الدولي.

ولاقت الاعتداءات المتكررة على المرافق الصحية والعاملين بها وطالبي الرعاية الصحية، انتقادات واسعة النطاق على الصعيدين المحلي والدولي، وفي هذا الصدد قال الدكتور أحمد بن سالم المنظري، مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، إن المنظمة تأكدت من 11 اعتداءاً على المرافق الصحية والعاملين فيها، منذ الخامس والعشرين من أكتوبر وحتى منتصف يناير، وطالب السلطات السودانية بايقاف هذه الهجمات فوراً.

وأضاف مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط، في بيان، إن

"هذه الهجمات، التي تستهدف العاملين في مجال الرعاية الصحية والمرضى والمرافق الصحية، انتهاكٌ صارخٌ للقانون الإنساني الدولي".

مدير منظمة الصحة العالمية لإقليم شرق المتوسط

وكما أشرنا سابقاً، فإن استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود يخضع لضوابط معينة، ناهيك عن استخدامه داخل المستشفيات وأماكن تلقي العلاج.  وتجدر الإشارة هنا إلى أن سلامة المستشفيات وأماكن تلقي الرعاية الصحية خاضعة للحماية بموجب القانون الدولي، ووفقاً لـ موجهات اللجنة الدولية للصليب الأحمر حول احترام وحماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة وفي حالات النزاعات غير المسلحة، فإنه يجب أن “يتمتع الجرحى والمرضى بالحماية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان من محاولات الاعتداء على حياتهم أو العنف ضدهم. بموجب المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يقع على عاتق الدول التزام غير قابل للتقييد بعدم إخضاع أي أفراد يخضعون لولايتها القضائية أو سيطرتها للحرمان التعسفي من الحياة.”

إن استخدام الغاز المسيل للدموع داخل حرم المستشفيات وفي غرف تلقي الرعاية الصحية يعرض حياة المرضى داخل هذه الأماكن للخطر، كما يعرض حياة الأطباء والمسعفين للخطر، وهذا يندرج في بند الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان، وفي حالات النزاعات المسلحة فإنه يعتبر مخالفا للقانون الدولي الانساني، كما يؤكد لـ(بيم ريبورتس) الباحث المختص في الشأن السوداني بهيومن رايتس ووتش، محمد عثمان.

ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن قتل الجرحى والمرضى، بجانب الأعمال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو إصابة خطيرة بالجسد أو بالصحة العقلية أو البدنية، قد ترقى إلى مرتبة الجرائم ضد الإنسانية. في ظروف معينة، قد يشكل الحرمان من العلاج الطبي معاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة، أو حتى تعذيباً إذا تم استيفاء المعايير اللازمة.

5- إغلاق خدمات الإنترنت والإتصالات الهاتفية:

منذ صبيحة الانقلاب العسكري في الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم، وحتى اليوم، درجت السلطة الانقلابية على اغلاق خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية، بدءاً بالإغلاق الكامل لكافة البلاد وصولاً لإغلاق ولايات بعينها.

 ومنذ يوم 30 ديسمبر أصبح الإغلاق يستهدف ولاية الخرطوم، حيث تتصاعد وتيرة المظاهرات السلمية المناهضة للانقلاب، ويهدف هذا الإغلاق إلى منع المتظاهرين والناشطين من التشبيك فيما بينهم، ومن ثم منعهم من مشاركة و توثيق الانتهاكات التي ترتكبها القوات الأمنية بحقهم.

تبين الأدلة التالية تواريخ وفترات إغلاق الإنترنت في السودان.

أن الحق في الحصول على المعلومات، والحق في حرية الرأي والتعبير والنشر من الحقوق المكفولة بموجب (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، و (الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب) والسودان طرف في كلا الميثاقين، وتقع عليه التزامات دولية بموجبهما. ومن المعروف إن مخالفة الالتزامات الدولية ، تعتبر جريمة، وتضع الدولة تحت طائلة المساءلة.

6- إغلاق الجسور والمعابر بين المدن ومنع عربات الإسعاف:

درجت اللجنة الأمنية بولاية الخرطوم، والتي يرأسها والي الولاية، على إغلاق الجسور والمعابر الرابطة بين مدن الولاية الثلاثة (الخرطوم، الخرطوم بحري، أمدرمان). توجد في الولاية (9) جسور، تغلق اللجنة (7) منها طوال أيام المظاهرات.

ويقع إغلاق الجسور والمعابر تحت طائلة تقييد حرية التنقل والحركة، كما أن منع عربات الإسعاف يقع تحت طائلة التقصير والتقاعس عن توفير الحماية للمرضى وطالبي الرعاية الطبية العاجلة.

ويقول الباحث المختص بالسودان في هيومن رايتس ووتش، محمد عثمان، لـ(بيم ريبورتس)، "في حال أدت عملية إغلاق الجسور والمعابر إلى عرقلة الوصول للرعاية الطبية، ونجم عن ذلك الوفاة، فإن هذا الأمر يشكل انتهاكا للحق في الحياة".

ومن المعروف أن انتهاك الحق في الحياة من الجرائم التي تستوجب العقوبة والمساءلة في القوانين المحلية والإقليمية والدولية.

7- الاعتداءات على الصحافيين و الطواقم الإعلامية:

منذ صبيحة الإنقلاب، في الخامس والعشرين من أكتوبر المنصرم، وحتى منتصف يناير الحالي، وقعت العشرات من حالات العنف والانتهاكات بحق الصحافيين ووسائل الإعلام، تراوحت بين الإعتداءات الجسدية والإيذاء البدني، والإصابات بالرصاص المطاطي والغاز المسيل، والنهب وإتلاف المعدات ، و الاعتقالات، واقتحام المكاتب الإعلامية، والاستدعاءات الأمنية.

قُبيل الانقلاب بساعات، اقتحمت قوات عسكرية مكاتب التلفزيون الحكومي واستبدلت طاقمه بطاقم موالٍ لقادة الإنقلاب، كما نفذت ذات الاقتحام على مكاتب وكالة السودان للأنباء (الرسمية) واستبدلت طاقمها الإداري أيضاً، واعتقلت القوات الأمنية والعسكرية ثلاث صحافيين.

ومنذ اندلاع المظاهرات السلمية المناهضة للانقلاب، اعتقلت السلطات 12 صحفياً وصحفية أثناء تأدية عملهم في تغطية المظاهرات، وأصيب ثلاثة صحافيين بإصابات بالغة بعبوات غاز مسيل ورصاص مطاطي وضرب بالهراوات، وتعرض 14 صحافياً وصحافية للاعتداءات والإيذاء البدني والنفسي ومحاولات الدهس بالمدرعات العسكرية، وجرى استدعاء صحافيان لمكاتب جهاز المخابرات، واقتحمت الأجهزة الأمنية والعسكرية مكاتب 4 قنوات إعلامية، وفي إحدى الحالات تم منع مراسلة تلفزيونية من إكمال مداخلة على الهواء مباشرة.

وأغلقت السلطات مكتب (قناة الجزيرة) مباشر، وسحبت ترخيص الصحفي المسؤول عنه.

يقع على عاتق وسائل الإعلام دور كبير خلال فترات الاحتجاجات السلمية، فهي التي تعكس أصوات المحتجين وفي نفس الوقت يمكن أن تكون أداة لمراقبة سلوك أجهزة إنفاذ القانون، إلا ان الحكومات التسلطية لا ترغب في هذه الأدوار من وسائل الإعلام، فهي تريدها أبواق دعاية، وإذا خالفت الدور المتوقع منها فتقع ضحية عنف السلطات.

إن الإعتداءات على وسائل الإعلام والصحافيين والمصورين وغيرهم من العاملين في الحقل الإعلامي يعرقل العمل الحر للصحافة ووسائل الإعلام.

إقرأ المزيد: قمع الإعلام – تقرير بيم ريبورتس عن تصاعد حملات قمع الإعلام عقب إنقلاب 25 أكتوبر في السودان

وطبقاً لإفادة الباحث المختص بالسودان في (هيومن رايتس ووتش) محمد عثمان، فإن "عرقلة وتقييد حرية الصحافة والإعلام يعتبر جريمة بموجب القانون الدولي"، لجهة أن السودان طرفاً في مواثيق دولية تضمن حرية الإعلام والصحافة والحق في التعبير.

8- التعذيب والإيذاء البدني بما في ذلك دهس المتظاهرين بالمُصفحات العسكرية:

استخدمت القوات الأمنية والعسكرية التعذيب والضرب والعنف وصنوف مختلفة من الإيذاء البدني بطريقة ممنهجة لكسر شوكة التظاهرات السلمية، وتبين الأدلة المرفقة مدى العنف والأذى الذي تمارسه القوات الأمنية والعسكرية بحق المتظاهرين السلميين.

وتبين الأدلة التالية فداحة الإيذاء المُتعمد عندما تستخدم القوات العسكرية والأمنية العربات العسكرية المصفحة (المدرعات) لدهس المتظاهرين السلميين.

العربة الموضحة في الصورة أعلاه مدرعة عسكرية تتبع للجيش السوداني، وكما تبين الصورة رقمها (41)، استخدمت لدهس المتظاهرين السلميين في محيط شارع الأربعين في امدرمان خلال تفريق مظاهرات مليونية 9 يناير.

إن التعذيب والإيذاء البدني يعتبر من الممارسات المحرمة بموجب القانون الدولي، والسودان طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب وتقع على عاتقه بموجب هذه الاتفاقية منع التعذيب ومعاقبة مرتكبيه.

إقرأ المزيد: الإغتصاب سلاحاً – تقرير بيم ريبورتس عن استخدام القوات الحكومية الإغتصاب سلاحاً في السودان

 إلا ان سلوك الأجهزة الأمنية والعسكرية في السودان لا يتسق مع التزامات السودان الدولية، علاوة على ذلك، فإن القانون السوداني لا يتناول شيئاً عن تجريم التعذيب.

وفي هذا الصدد يقول الباحث المختص بالسودان في هيومن رايتس ووتش، محمد عثمان "ظلت هناك اشكالية طويلة تتعلق بغياب تجريم للتعذيب من قبل الأجهزة الأمنية ضمن القانون السوداني وبشكل يتوافق مع تعريف التعذيب تحت القانون الدولي".

هذه القائمة من الانتهاكات التي ارتكبتها القوات الأمنية والعسكرية بحق مناهضي انقلاب 25 أكتوبر، والتي تصاعدت بعد أن مُنحت هذه القوات الحصانة، تقع جميعها في إطار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، والتي يجرمها القانون الدولي، والتشريعات المحلية.

هل تعرض محركات البحث تواريخاً خاطئة عند عرض نتيجة معينة؟

جدل كثيف أثاره ظهور خبر مقتل ضابط بالشرطة السودانية قبل يوم من وقوع الحادثة، وأظهرت محركات البحث أن الخبر قد نُشر بعدد من المواقع الالكترونية قبل وقوعه، وقبل وقت الإعلان الرسمي عنه.

هذا الأمر أثار العديد من الأسئلة والتكهنات حول الحادثة نفسها.

وتداول مستخدمو الإنترنت بالسودان صورا و مقاطع فيديو تبين نشر خبر مقتل الضابط قبل 17 ساعة في بعض المواقع، وبعضها قبل 6 ساعات، وفي أخرى قبل يوم.

من بين هذه المواقع التي تم تداولها كان موقع “يني شفق” التركي الذي أظهر محرك البحث قوقل أنه قد نشر الخبر قبل يوم من تاريخ مقتل الضابط.

للتأكد من دقة تاريخ النشر الفعلي في هذه الحالة، يتم التأكد بالرجوع إلى مصدر الصفحة أو ما يعرف ب(Page Source) – وهي صفحة تعرض الرمز البرمجي الذي صمم به الموقع الالكتروني و يعرض محتويات الصفحة المعينة من الموقع بكافة تفاصيلها- وجد فريق البحث في (بيم ريبورتس) أن الخبر قد نشر بتاريخ 13 يناير 2022 عند الساعة 17:41 كما تظهر الصورة (1).

صورة (1)

من ضمن المواقع المتداولة، والتي يظهر محرك البحث أن الخبر قد نشر بها بتاريخ قديم، موقع يسمى (الأحداث نيوز) . بالرجوع أيضا إلى مصدر الصفحة وجد فريق البحث أن الخبر نُشر  بتاريخ 13 يناير 2022 عند الساعة 13:56 كما تظهر الصورة (2).

صورة (2)

أيضا تم تداول موقع (مجلة المجتمع) الكويتية التي قيل أنها قد نشرت الخبر عن الساعة 05:42 صباحا، لكن مصدر الصفحة أوضح أنه قد نشر عند الساعة 14:42 بتوقيت جرينتش كما تظهر الصورة (3) و هو ما يوضح أن الساعة الخامسة تعني الخامسة مساء بتوقيت مدينة الكويت حيث أن المنطقة الزمنية لمدينة الكويت تساوي (+3 ساعات) لتوقيت جرينتش.

صورة (3)

لماذا ظهرت هذه الأخبار منشورة بتاريخ وتوقيت غير حقيقيين؟

في العام 2019 نشرت قوقل دليل موجه لمبرمجي ومصممي مواقع الويب لمساعدتهم في إتباع إرشادات من أجل تسهيل وصول قوقل لإلتقاط تاريخ و وقت النشر. حينها أوضحت قوقل بأن قوقل يقوم بإلتقاط تاريخ النشر تلقائيا من الموقع و بالتالي ليست هنالك عملية يدوية لوضع ديباجة نشر الخبر أو المادة أيا كانت في نتائج البحث وبالتالي لا إمكانية للتلاعب بها.
أوضحت قوقل كيف يلتقط محرك البحث تاريخ النشر لكن بدون تفاصيل دقيقة حيث قالت:

تحدد قوقل التاريخ باستخدام مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر: أي تاريخ بارز مدرج في الصفحة نفسها أو التواريخ التي يقدمها الناشر من خلال الترميز المنظم. لا تعتمد قوقل على عامل واحد لأن كل منهم يمكن أن يكون عرضة للمشكلات وبالتالي من الممكن أن يتسبب في أخطاء في نتائج البحث. من الممكن ألا يقدم ناشر المادة تاريخا واضحا بشكل دائم. في بعض الأحيان، قد تكون البيانات المنظمة غير متوفرة أو قد لا يتم تعديلها وفقًا للمنطقة الزمنية الصحيحة، لهذا السبب تنظر أنظمتنا في عدة عوامل للتوصل إلى ما نعتبره أفضل تقدير لدينا لوقت نشر الصفحة أو تحديثها بشكل كبير.

ذكرت قوقل أيضا بعض الطرق التي يمكن أن تسهل عملية تعرف خوارزمياتها لتاريخ النشر مثل دوال (datePublished) التي تعرض بوضوح تاريخ النشر الحقيقي، بالإضافة إلى دالة (dateModified) التي تعرض بوضوح تاريخ تعديل المواد المنشورة. أيضا من المهم أن يتم إختيار المنطقة الزمنية بكل دقة.

في العام 2020 أجاب أحد موظفي قوقل على إستفسار أحد مستخدمي محرك البحث الشهير على موقع تويتر حيث كان التساؤل يدور حول سبب عرض تاريخ خاطئ عند عرض نتيجة البحث. ذكر موظف قوقل في إجابته أن الخطأ غالبا ما يكون بسبب إدارة الموقع الذي نشر المادة.

يظهر الاختلاف في عرض تاريخ النشر الملحقة بنتائج البحث عند ظهور تاريخ نشر بعض المواقع الكبرى و حينها يتضح أنها تلتزم بإرشادات قوقل وبالتالي لا أخطاء بالتاريخ الملحق بها في نتائج البحث.

بناءا على ما ذكر أعلاه فإن هناك نسبة من الخطأ يمكن أن تحدث في إلتقاط تاريخ النشر بالدقة المطلوبة.