Tag: البرهان

في الذكرى الثانية لتوقيعه.. كيف أصبح مستقبل اتفاق سلام جوبا على المحك؟

“انقلاب 25 أكتوبر ومشاركة بعض قادة الحركات في تخطيطه وتنفيذه، وضع الاتفاق في أزمة سياسية يستحيل معها إيجاد مخرج أو تنفيذ أي مستوى من مستوياته. بل ويجعل وضعية ممثلي الحركات المسلحة في السلطة بعد الانقلاب وضعية غير قانونية”. يقول عضو مجلس السيادة السابق، وأحد كبار مفاوضي الحكومة الانتقالية في اتفاق سلام جوبا، محمد حسن التعايشي.

في 3 أكتوبر 2020م، وقعت الحكومة الانتقالية وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، اتفاق سلام جوبا، في جنوب السودان، والذي تضمن 5 مسارات، بما في ذلك مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة.

وحازت الفصائل المسلحة المتمركزة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق، غرب وجنوب شرقي البلاد، بموجب هذا الاتفاق، على نسبة 25 في المائة من السلطة المركزية والإقليمية ومقاعد افتراضية في المجلس التشريعي الانتقالي الذي لم يتشكل، حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021م.

خلفيات ما قبل التوقيع

قبيل توقيع اتفاق سلام جوبا بيومين، وتحديداً في 1 أكتوبر 2020م، غادر غالبية مسؤولي الحكومة الانتقالية، الخرطوم إلى مدينة جوبا، للاحتفال بتوقيع الاتفاق، الذي شهدته قيادات إقليمية ودولية، على أمل إنهاء واحدة من الحروبات الأهلية المعقدة التي عرفتها البلاد، بدايةً من إقليم دارفور في 2003م، وجنوبي كردفان والنيل الأزرق (المنطقتين) في 2011م.

ومع أن البلاد، شهدت تاريخياً توقيع عشرات اتفاقيات السلام، على مرّ الحقب ما بعد الاستقلال، بين الحكومة وفصائل مسلحة، غالبيتها فشل ولو بعد حين، إلا أن قطاعاً واسعاً من السودانيين، أبدى أمله في أن يضع اتفاق السلام هذه المرة نهايةَ لحقبة الحروب الأهلية التي ظلت تضرب البلاد منذ عام 1955م، وأودت بحياة الملايين.

الأمل الرئيسي الذي ساور السودانيين، كون الاتفاق، يأتي في ظل صفحة جديدة بعد إطاحة النظام البائد، الذي تسبب في تلك الحروب، وذلك رغم القلق والمخاوف والتحفظات، من أن الاتفاق، ضُمنت فيه مناطق لم تشهد نزاعات مسلحة، وعدم شموله لفصائل مسلحة رئيسية بكل من دارفور وجنوبي النيل الأزرق وكردفان (المنطقتين).

اتفاق بدون سلام

عقب توقيع اتفاق الوثيقة الدستورية بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري المحلول، الذي نجم عنه تشكيل مجلس السيادة الانتقالي في أغسطس 2019م، والحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، تم الإعلان عن أنه في غضون  فترة 6 أشهر سيتم توقيع سلام نهائي وشامل، مع الفصائل المسلحة، باعتبار أن السلام يتصدر أولويات مهام الفترة الانتقالية العشرة التي كان حمدوك اتخذها برنامجاً لحكومته.

لكن، منذ توقيع اتفاق السلام في 3 أكتوبر 2020م، بمدينة جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان، قتل مئات المدنيين وحرقت منازل ودمرت مزارع ونزح عشرات الآلاف مجدداً في دارفور خلال هجمات متواترة لمليشيات مسلحة، فيما تلقي سلطة الأمر الواقع باللائمة دائماً على مجهولين.

ومع تواتر أعمال العنف هناك، تم تشكيل قوات مشتركة لحماية المدنيين في دارفور قبل عدة أشهر مكونة من ألفي جندي، فيما كان اتفاق السلام قد نص على تشكيل قوة مشتركة قوامها 12 ألف جندي من قوات الفصائل المسلحة والقوات الحكومة السودانية.

يتساءل المتحدث الرسمي باسم منسقية النازحين واللاجئين، آدم رجال، ما إذا كانت مطالب وتطلعات النازحين، قد تحققت بعد مرور سنتين على توقيع اتفاق سلام جوبا. يجيب رجال بنفسه، ويقول لـ(بيم ريبورتس): “بالطبع لم يتحقق أي مطلب من مطالب النازحين، أو حقوقهم، بل بالعكس زادت المعاناة والانتهاكات والجرائم، خاصة بعد انقلاب 25 أكتوبر”.

ورأى رجال، أن اتفاق سلام جوبا يمثل امتداداً لاتفاقيات السلام التي كان يعقدها نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، باعتباره سلاماً جزئياً. قبل أن يدعو إلى توحد السودانيين على كيفية إسقاط انقلاب 25 أكتوبر، ومن ثم إقامة سلطة مدنية لديها برنامج وشرعية من الشعب السوداني، لوضع لبنة أساسية لبناء السودان على أسس جديدة وقومية تمثل جميع السودانيين، بعيداً عن أي انتماءات، حسبما قال.

اتفاق سلام جوبا، الذي حوى 8 برتوكولات رئيسية و273 بنداً، لا يواجه معضلة عدم التنفيذ وحسب، وإنما يواجه تساؤلات حول مشروعيته نفسها.

“كل نص من نصوص الاتفاق يستوجب التزامًا صارمًا بالفترة الانتقالية ودستور الفترة الانتقالية، مثلما تربط الاتفاقية بين قضايا الانتقال الديمقراطي وقضايا السلام”. يوضح التعايشي في تصريح صحفي نشره بصفحته الرسمية على فيسبوك بمناسبة اليوم العالمي للسلام.

بين سبتمبر 2019، وأكتوبر 2020م، تنقل التعايشي كثيراً بين عاصمتي السودّانين، الخرطوم وجوبا، حيث كان ضمن قيادة الوفد الحكومي التفاوضي مع فصائل الجبهة الثورية المسلحة.

يقول التعايشي “يجب أن نؤكد أن السلام كعملية وكقيمة ليس هو التزامًا نصيًا فحسب، بل هو اتساق وإيمان نظري وسياسي وأخلاقي”. مضيفاً “أن المأزق الذي يواجه اتفاقية جوبا لسلام السودان هو مأزق سياسي وأخلاقي أكثر من كونه قانونيًا.”

واصل التعايشي انتقاداته، قائلاً “هناك مأزق أخلاقي أيضًا، حيث وضع بعض قادة الحركات أنفسهم في أول ظاهرة سياسية يتمرد فيها قادة ثورة مظالم على الحكومة والوضع الدستوري الذي تشكل بموجب اتفاق هم أحد أركانه”، قبل أن يشدد على أن العودة إلى الوضع الانتقالي الديمقراطي بقيادة مدنية؛ هو الطريق الوحيد لتنفيذ الاتفاق وإكمال نواقصه.

لكن، يبدو أن حديث التعايشي جاء متأخراً، مقارنة بالواقع، فبعد سنتين من توقيع الاتفاق وسنة على انقلاب 25 أكتوبر، ارتفع صوت المطالبات، بإلغاء الاتفاق، وفي أفضل الأحوال، تعديله مثّلما، دعا إلى ذلك رئيس الحركة الشعبية ـ شمال التيار الثوري ياسر عرمان، وهو أحد كبار مفاوضي فصائل الجبهة الثورية البارزين. أيضاً نص الميثاق الثوري لتأسيس سلطة الشعب، الذي صدر قبل عدة أيام ووقعت عليه أكثر من 50 لجنة وكياناً، على إلغاء اتفاق سلام جوبا.
في الوقت الذي تشدد فيه أطراف اتفاق السلام من فصائل الجبهة الثورية المسلحة، على عدم المساس بالاتفاق، تعديلاً أو إلغاءً، معتبرة أن ذلك يقود إلى عودة الحرب مجدداً.
“أي كلام أو دعوة لإلغاء الاتفاقية يعتبر بمثابة إعلان حرب أهلية شاملة في كل أرجاء السودان”، يقول المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان ـ قيادة مناوي، الصادق علي النور.

ويضيف النور في حديثه لـ(بيم ريبورتس)، أن “دعوات إلغاء أو تعديل الاتفاقية يظل في إطار دعوات أصحاب المصالح الذاتية، ولكن حتى الآن لم نسمع من الأطراف التي وقعت الاتفاقية بأن طالبت بإلغاء أو تعديل، لذلك نقول لأصحاب المصالح الذاتية عليهم أن يبحثوا عن مصالحهم بعيداً عن الاتفاقية”.

“هل المشكلة في الاتفاقية أم هنالك أزمة اتفاق سياسي في البلاد التي أدت إلى ما نحن فيه”، يوجه النور سؤاله للداعين إلى إلغاء الاتفاقية. ومع ذلك، يقر النور أنه حتى وبعد مرور عامين على توقيعها لم يتحقق من الاتفاقية ولو نسبة خمسة في المائة.

“ما تحقق هو حصول الموقعين على مناصب في الدولة، ولكن لم يتحقق سلام واستقرار على الأرض، بل زادت معاناة المواطنين ومعدلات الجرائم والانتهاكات والقتل خارج نطاق القانون”. يقول محمد عبد الرحمن الناير المتحدث الرسمي باسم حركة جيش تحرير السودان، قيادة عبد الواحد النور.

يضيف الناير لـ(بيم ريبورتس): “للأسف لقد تمخض جبل اتفاق جوبا، فولد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، بدلاً من أن يكون رافداً وداعماً للثورة وشعاراتها”.

وتابع: “هذا الاتفاق قام على منهج خاطئ ولا يمكن التعويل عليه في تحقيق سلام واستقرار بالسودان، وما بني على خطأ فهو خطأ.. أي اتفاق لا يخاطب جذور الأزمة التاريخية ويحقق التغيير وإعادة هيكلة جميع مؤسسات الدولة وفق أسس قومية جديدة لن يحقق السلام الشامل والعادل والمستدام بالسودان”.

“في إقليم دارفور زادت التفلتات الأمنية وبات المواطن في خطر داهم من المليشيات والمتفلتين الذين باتوا يستهدفون حتى منسوبي الحكومة، كما حدث قبل أيام في قلب مدينة الفاشر عندما اعتدوا على ضابط برتبة عميد يتبع للترتيبات الأمنية، فضربوه بالعصي ونهبوا سيارته عياناً بياناً وأمام مرأى حكومة إقليم دارفور وولاية شمال دارفور اللتين عجزتا عن توفير الأمن حتى لمنسوبيها، ناهيك عن المواطن البسيط”، يوضح عبد الرحمن.

ويقول “هذا هو حصاد سنتين عجاف من اتفاق المغانم الذي تم توقيعه في جوبا، وحينها قلنا إن هذا الاتفاق لن يحق السلام والاستقرار بالسودان ولا بالإقاليم المنكوبة بالحرب، لجهة أنه اتفاق معيب شكلاً ومضموناً، وصمم لمخاطبة قضايا الأشخاص ونزواتهم السلطوية وليس مخاطبة قضايا الوطن”.

فيما يعود التعايشي ويشير، إلى أن اتفاقات السلام التي تُوقع بين جماعات غير رسمية وحكومات تمثل الدولة، تتمتع بوضع قانوني سواء عبر القانون الدولي أو ضمن إطار القانون المحلي للدولة. حيث يوسع القانون الدولي الحديث بشكل عام ليشمل حماية اتفاقات السلام بين الدولة والجهة الفاعلة من غير الدولة. لقد حظيت الاتفاقية بتأييد دولي كبير من الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، ودول الترويكا والجامعة العربية، لكنه يربط ذلك بالعودة إلى المسار الديمقراطي بقيادة مدنية.

خلافات متصاعدة

مع وصول قادة فصائل الجبهة الثورية المسلحة، إلى العاصمة السودانية الخرطوم في 15 فبراير 2020م، وانضمامهم إلى هياكل السلطة الانتقالية (مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين)، في فبراير 2021م، بدا لوهلة، أن صفحة جديدة من الحياة السياسية قد تشهدها البلاد، خصوصاً فيما يتعلق بالأوضاع في إقليمي النيل الأزرق ودارفور، بالإضافة إلى ولاية جنوب كردفان.

ولكن، على عكس ما كان مأمولاً منها، بدأت الحكومة الانتقالية الثانية، التي أعاد تشكيلها حمدوك، وضمت أحزاباً سياسية وأطراف السلام، تأخذ طابعاً صراعياً سياسياً، ليس بدءاً بمقاعد المجلس التشريعي الانتقالي الافتراضية، أو انتهاء بتنامي العداء السياسي بين الحرية والتغيير وفصائل الجبهة الثورية المسلحة، والذي توّج باعتصام القصر الجمهوري في 16 أكتوبر 2021م، حتى وقوع الانقلاب بعد 9 أيام.

وصلت الخلافات بين الطرفين إلى الذروة، مع إطلاق قوى الحرية والتغيير، لإعلان سياسي بحضور حمدوك في الثامن من سبتمبر 2021م بقاعة الصداقة بالخرطوم، رأت مجموعة من الفصائل المسلحة، أن ما تم عمل إقصائي ضدها، لتصدر بدورها ميثاقاً سياسياً لاحقاً.

مرّ عام الاتفاق الأول، من أكتوبر 2020 إلى أكتوبر 2021، أي حتى وقوع الانقلاب، في خضم صراعات سياسية، في الوقت الذي لم يتم إحراز أي تقدم في اتفاق السلام، خاصة اتفاق الترتيبات الأمنية، ولم يعد أي من النازحين واللاجئين في دارفور إلى مناطقهم الأصلية.

تزامن ذلك، مع موجة نزاعات أهلية هي الأعنف منذ سنوات في دارفور، قتل فيها مئات الأشخاص برصاص مسلحين دون أن يتم تقديم المجرمين للعدالة.

في العام الثاني لاتفاق سلام جوبا، أي بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، تفاقمت الأزمة السياسية في البلاد، وبدلاً من أن تمضي عملية السلام قدماً، باتت البلاد تقف على حافة المجهول، في خضم صراع سياسي حاد وسيولة أمنية متنامية.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م

ما صحة بعض الصور والفيديوهات لسودانيين بأمريكا يرفضون مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة؟

ما صحة بعض الصور والفيديوهات لسودانيين بأمريكا يرفضون مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة؟

تداول العديد من مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، اليوم الخميس، مقطع فيديو مشيرين إلى أنه موكب احتجاجي للسودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية، يرفضون فيه مشاركة القائد العام للجيش، عبدالفتاح البرهان، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة بمدينة نيويورك.

وأرفق متداولو المقطع الوصف التالي للمقطع: “استقبال البرهان في امريكا”

للتحقق من صحة المقطع، استخدم فريق البحث في (بيم ريبورتس)، تقنيتي البحث العكسي والبحث باستخدام الكلمات المفتاحية. وجدنا أن المقطع قديم ويعود للعام 2021م.

أيضاً، تداول العديد من مستخدمي (فيسبوك)، الصورة أدناه، وادعوا أنها لموكب سودانيين في مدينة نيويورك رافضين مشاركة البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

للتحقق من صحة الصورة، استخدم فريق البحث في (بيم ريبورتس)، تقنية البحث العكسي عن الصور. وجدنا أن الصورة مأخوذة من مقطع فيديو يعود أيضا للعام 2019م.

أيضا، نشر بعض رواد (فيسبوك)، صورة للبرهان مصافحا الرئيس الفرنسي، ماكرون، في إشارة إلى أنها التقطت خلال مشاركة البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة حالياً.

للتحقق من صحة الصورة، استخدم فريق البحث في (بيم ريبورتس)، تقنية البحث العكسي عن الصور. وجدنا أن الصورة تعود للعام 2021م، خلال زيارة البرهان للعاصمة الفرنسية باريس، أثناء مشاركته في فعاليات مؤتمر باريس.

يذكر أن بعض السودانيين بالولايات المتحدة، قد خرجوا بالفعل في تظاهرات رافضة لمشاركة البرهان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة حالياً بمدينة نيويورك الأمريكية. 

الخلاصة

 ما صحة بعض الصور والفيديوهات لسودانيين بأمريكا يرفضون مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة؟

مضلل

ما حقيقة تعديل وكالة (رويترز) لصفة البرهان من قائد للجيش إلى رئيس مجلس السيادة؟

ما حقيقة تعديل وكالة (رويترز) لصفة البرهان من قائد للجيش إلى رئيس مجلس السيادة؟

نشرت صفحة (بين الحقيقة والإشاعة) على (فيسبوك)، تقريراً أفادت فيه، بأن خبر دعوة الحكومة البريطانية، لرئيس سلطة الأمر الواقع في السودان، عبد الفتاح البرهان، بصفته قائد الجيش هو “خبر مفبرك”، قبل أن تستدل برابط مادة صحفية نشرتها وكالة رويترز.

وتداول العديد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، لقطة شاشة، عرّفت فيها وكالة رويترز البرهان، بصفته قائداً للجيش السوداني. لاحقاً، نشرت صفحة قناة (سودانية 24) على (فيسبوك) هذا التقرير، في إشارة لتكذيب تعريف (رويترز).

عند زيارة الرابط، وجدنا، أن وكالة رويترز قد عرّفت البرهان بصفته رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي في السودان.

للتحقق، ما إذا كانت وكالة رويترز، قد عدّلت تعريفها للبرهان من قائد للجيش إلى رئيس مجلس السيادة، زار فريق البحث في (بيم ريبورتس)، “مصدر الصفحة”، وهي أداة تعرض معلومات عن الموقع الالكتروني موضع الزيارة، تعرض وقت وتاريخ النشر، وما إذا كان قد تم تعديل المحتوى أم لا، مع عرض وقت وتاريخ التعديل.

وجدنا أن وكالة رويترز، عدلت بالفعل محتوى المادة الصحفية المذكورة، بتاريخ اليوم 20 سبتمبر 2022م.

لتأكيد المعلومة، وجدنا أن الصفحة قد أُرشفت على موقع (أرشيف الانترنت). عند زيارة الأرشيف، وجدنا أن المادة الصحفية قد عرّفت البرهان بالفعل كقائد جيش، لا كرئيس لمجلس السيادة. 

الخلاصة

ما حقيقة تعديل وكالة (رويترز) لصفة البرهان من قائد للجيش إلى رئيس مجلس السيادة؟

صحيح

ما معايير الإقالات والتعيينات في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)؟

“الجيش جيش السودان، زي ما بقولوا الثوار”، كان هذا رد قائد القوات البرية السابق، بالجيش السوداني، عصام كرار، على سؤال حول مشاركة الجيش في قمع التظاهرات المناهضة لانقلاب 25 أكتوبر، في مقابلة تلفزيونية أجريت معه في فبراير الماضي، حيث نفى مشاركته رغم وجود دلائل على ذلك.

وفي 25 أغسطس الماضي، أقال القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، كرار من منصبه، ضمن إقالات شملت جنرالات رفيعين آخرين، بينهم نائبي رئيس هيئة الأركان للإدارة والتدريب، منور عثمان نقد وعبد الله البشير أحمد.

وبينما تمت ترقية كل من نقد وأحمد إلى رتبتي الفريق أول، أحيل كرار بنفس رتبته فريق، قبل أن يتم تعيينه أميناً عاماً لوزارة الدفاع.

أسفرت إقالة كرار ومنور، عن انعكاسات داخل وخارج الجيش. فبالنسبة لمنور، فقد وجد حديثه في مارس الماضي، بضرورة خروج الجيش من العملية السياسية صدى سياسياً كبيراً، فيما منحت تصريحات كرار بأن الجيش جيش السودان، وهي جزء من هتاف المتظاهرين “الجيش جيش السودان، ما جيش البرهان”، قبولاً في أوساط عديدة، بجانب ما بدا أنها علاقات جيدة مع نظرائه الغربيين، وتسريبات عديدة نظرت إليه على أنه خليفة محتمل للبرهان. 

وجاءت الإحالات والترقيات في أغسطس الماضي، ضمن سلسلة طويلة من هذه العملية التي بدأها البرهان منذ أبريل 2019م، عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

بعد 4 أيام من إطاحة البشير، أصدر البرهان الذي كان يشغل رئيس المجلس العسكري، قرارات بالإقالات والتعيينات والترقيات، شملت هيئة أركان الجيش. بالإضافة إلى إقالة رئيس المجلس العسكري الانتقالي و وزير الدفاع السابق، عوض ابن عوف، ونائبه ورئيس هيئة أركان الجيش كمال عبد المعروف. 

في أكتوبر 2019م، شكل مجلس الوزراء، لجنة للنظر في ملف المفصولين تعسفيًا من الجيش والشرطة خلال 30 عاما من حكم الرئيس المخلوع، عمر البشير. عقب شهر واحد، قررت اللجنة إعادة كل من فُصلوا تعسفيًا خلال حكم البشير إلى وظائفهم، بشرط أن تقل أعمارهم عن 65 عاما وهو سن المعاش.

لاحقاً، في فبراير 2020م، أقال البرهان ضباطاً برتب صغيرة، كانوا قد دعموا الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وفي ديسمبر من العام نفسه، أصدر البرهان قراراً بإعادة ضباط الجيش المفصولين تعسفياً وجبر الضرر لهم.

قبيل قراراته بإعادة تشكيل هيئة الأركان في الخامس والعشرين من أغسطس الماضي، بأيام معدودة، أصدر البرهان قراراً شمل ترقية 40 ضابطا وإحالة 30 آخرين إلى التقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة اللواء من خريجي الدفعة 40 بالكلية الحربية السودانية، سبق ذلك إحالة ضباط برتبة اللواء من الدفع: 35-39.

ومنصب القائد العام، الذي يتولاه البرهان، يُقصد به الضابط الأعلى الذي يتولى قيادة القوات المسلحة المعين بموجب المادة 10(1)، تم إلغاؤه في عام 2013م، ضمن تعديلات أجريت على القانون.

وحسب القانون الملغي، يعين القائد العام للجيش بواسطة رئيس الجمهورية، ودون المساس بسلطات القائد الأعلى ووزير الدفاع يختص القائد العـام بالآتي، تنفيذ سياسة الدفاع الوطنية والسياسات الأخرى ذات الصلة بالدفاع، تقدير الموقف الإستراتيجي العسكري وتنفيذ المهام الإستراتيجية، الإشراف على تنفيذ خطط الاستخدام والتوزيع الاستراتيجي للقوات وتولي التوجيه الإستراتيجي لتحقيق هذه الأهداف، الإشراف على إعداد الخطط والبرامج اللازمة لتمكين القوات المسلحة من أداء مهامها وواجباتها وتنظيمها وتحديثها لتحقيق ذات الأهداف، تعيين رئيس وأعضاء رئاسة الأركان المشتركة بالتشاور مع الوزير وموافقة القائد الأعلى، بجانب أي مهام أخرى تكلفه بها جهة أعلى مختصة. كما يجوز للقائد العام تفويض كل أو بعض سلطاته ومهامه الى أى فرد أو مجموعة من الأفراد الخاضعين لأحكام هذا القانون وفقاً للشروط والضوابط التي يقررها.

عندما أطاح رئيس المجلس العسكري السابق، عوض ابن عوف، بنظام الرئيس المخلوع، عمر البشير في الحادي عشر من أبريل 2019م، أعلن تعطيل الدستور الانتقالي لسنة 2005م.  

والآلية التي تقلد بموجبها البرهان الذي خلف ابن عوف في اليوم التالي، منصب القائد العام للجيش غير واضحة، حيث يتطلب ذلك تعيينه بواسطة رئيس الجمهورية، حسب القانون قبل إلغائه في التعديلات. 

أيضاً يبدو أن إطاحة البرهان بكل من: منور عثمان نقد، عبد الله البشير أحمد وعصام كرار، مثيراً للتساؤلات، بخاصة وأنه قد تمت ترقيتهم إلى رتبة الفريق في أكتوبر 2019م، حيث لم يكملوا ثلاث سنوات في مناصبهم، مع ترقية جنرالات آخرين، أحدهم ظل قريباً من البرهان ويدير إحدى أكبر شركات الجيش الاقتصادية.  

ويبدو واضحاً أن قرارات البرهان المتعلقة بتعيين وإقالة كبار الضباط بالجيش السوداني، منذ عام 2019م، لا تسنتد إلى معايير محددة، بما في ذلك الفترة الزمنية لشغل المناصب. 

ومع ذلك، ورغم أن البرهان، يتقلد منصب القائد العام للجيش السوداني، لم يصدر أي قرارات تتعلق بإحالات وترقيات وسط قيادة الدعم السريع، على الرغم من قيادتها بواسطة أخوين وبعض أفراد عائلتهما، وهو الأمر الذي يثير التساؤلات، حول جدية تبعية الدعم السريع للجيش، وعدم انطباق معايير الإقالة عليها، خاصة أنه تم تغيير قيادات الشرطة والمخابرات العامة بواسطة البرهان عدة مرات.

الإقالات والتعيينات في الجيش منذ 2019م حتى 2022م

تستعرض (بيم ريبورتس) في الخريطة الزمنية أدناه قرارات التعيين والإحالة في قيادة الجيش السوداني عقب الإطاحة بـ(البشير)، في الفترة من 2019 -2022م

هل تحاول الشركة السودانية للموارد المعدنية تضليل مواطني نهر النيل؟

نشرت الصفحة الرسمية للشركة السودانية للموارد المعدنية، مساء اليوم، منشوراً يحوي تفاصيل أموال المسؤولية المجتمعية، المدفوعة من قبل الشركة لبعض مناطق السودان، ومن ضمنها محليتي بربر وأبو حمد.

وبيّن المنشور، أن الأموال المدفوعة لمحلية بربر، هي الأموال التي وعد بها عبدالفتاح البرهان لمواطني المناطق المتأثرة بالسيول، والبالغ قيمتها 2 تريليون جنيه، إبان زيارته الأخيرة، حسبما ذكر المنشور.

وكان مدير الشركة، مبارك أردول، مرافقا للبرهان، في زيارته لتفقد أحوال المتضررين من السيول، في ولاية نهر النيل.

وأوضح المنشور، أن قيمة المبلغ بالأرقام هي: 

2,333,554,538.66 

بينما ذكر المنشور، أن قيمة المبلغ بالحروف هي:

اثنين تريليون وثلاثمائة وثلاث وثلاثين مليونا وخمسمائة أربعة وخمسين ألفا وخمسمائة ثمانية وثلاثين جنيها وستة وستين قرشا.

لاحظ (مرصد بيم)، أن قيمة المبلغ بالحروف، مختلفة عن قيمتها بالأرقام، حيث أن القيمة بالحروف التي تعادل الأرقام المذكورة هي:

اثنين بليون وثلاثمائة وثلاث وثلاثين مليونا وخمسمائة أربعة وخمسين ألفا وخمسمائة ثمانية وثلاثين جنيها وستة وستين قرشا.

تشير (بيم ريبورتس) إلى أن السودانيين، ينطقون قيمة الأموال بالحروف، في مداولاتهم العامة كالتالي:

القيمة بالأرقام

النطق بالحروف

1000

مليون

1,000,000

مليار (بليون)

ولكن، لا يتم استخدام هذه العبارات العامية، في التعاملات الرسمية، ما يعني وقوع الشركة السودانية للموارد المعدنية في خطأ كبير، يضلل المتابعين، عبر تضخيم المبلغ الحقيقي.

كيف تحولت الوثيقة الدستورية إلى توازن حرج على حافة التحول الديمقراطي والانقلاب العسكري؟

في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي المحلول، والتي كان من المؤمل أن تمهد الطريق إلى تحول ديمقراطي ينتهي بانتخابات عامة في يوليو المقبل. بدلاً من ذلك، انزلق السودان إلى حافة المجهول عقب انقلاب 25 أكتوبر الماضي الذي أطاح بالحكومة الانتقالية.

كان مشهد نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي المحلول، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو يقف إلى جانب عضو تجمع المهنيين، أحمد ربيع، ملوحاً بالوثيقة الدستورية من أسفل إلى أعلى (معكوسة) والتي كانا قد وقعاها للتو، وسط حضور دولي وإقليمي رفيع المستوى، في يوم السبت السابع عشر من أغسطس 2019م، يلخص وقائع ما هو آتٍ بشكل مسبق.

لكن، رغم تلك الصورة المقلوبة، والتي ربما حملت إشارات لمستقبل سيء ينتظر الفترة الانتقالية، يومها كانت الخرطوم تنتظر قطاراً ثانياً من عطبرة، للاحتفال بتوقيع الوثيقة الدستورية. فيما كان الأمل أعتى من كل السقوف هناك في مكان التوقيع بـ(قاعة الصداقة) المطلة على شارع النيل، وآلاف السودانيين يرقصون فرحاً على أنغام انتصار الثورة، غير مصدقين لطيهم نحو 3 عقود من حكم نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير.

جنوب قاعة الصداقة، في محطة السكك الحديدية الرئيسية التاريخية بقلب العاصمة الخرطوم، استقبل عشرات الآلاف قطار عطبرة، قبل أن تتوجه الحشود شرقاً هذه المرة إلى ساحة الحرية بشارع أفريقيا (المطار) لإكمال الاحتفالات، في يوم لم يكن السودانيون يتوقعون أنه قد يأتي، في خضم قبضة حديدية عُمِّدت بالدم وامتدت لنحو ثلاثين عاماً. وسبب آخر، كان قد جعل الأمل بعيداً، بلا أفق، فض اعتصام القيادة العامة الدموي، بواسطة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، في الثالث من يونيو 2019م، أي قبل شهرين ونصف الشهر فقط من توقيع الوثيقة الدستورية.

تلك العوامل الخطرة، والكامنة بالانفجار، ذابت في فصول من الأمل انتابت مشاعر السودانيين، وهم يفتحون صفحة جديدة من كتاب ثورة ديسمبر 2018م. رغم ما انطوت عليه  الوثيقة الدستورية من عيوب، إلا أنها كانت حدثاً فريداً، في تاريخ الفترات الانتقالية التي أعقبت الثورات المدنية في البلاد.

بعد ثورة أكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس/أبريل 1985م اللتين أطاحتا بنظامي الجنرالين إبراهيم عبود وجعفر نميري على التوالي، مرت الفترتان الانتقالتيان بدون إطار دستوري جديد.

أيضاً، انطوت الوثيقة الدستورية على حدث جديد كليةً، في تاريخ الثورات السودانية، وهي نصها على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي.

بتوقيع الوثيقة الدستورية التي كانت امتداداً للاتفاق السياسي، وضع معارضو نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، وقادة التفاوض، مع لجنته الأمنية التي عزلته من السلطة على إثر أشهر من الاحتجاجات ضد حكمه، عبر الوثيقة الدستورية، المزيد من الصعوبات أمام المجلس العسكري. 

بعد عملية تفاوضية بدأت في أبريل 2019م، وانقطعت في يونيو، وعاودت في يوليو من نفس العام، تشكلت هياكل الحكومة الانتقالية وفق إطار دستوري لقي اعتراف العالم.

لكن، ريثما انتصر المعارضون سابقاً، وقادة الحكومة الانتقالية الجدد، وتمكنوا من فرض نموذجهم للانتقال على قادة المجلس العسكري الانتقالي المحلول، بدأ الأخيرون، جولاتهم، لإفراغ الانتقال من محتواه، كانت الجولة الأخيرة في انقلاب 25 أكتوبر الماضي.

نصّت الوثيقة الدستورية، على تشكيل المجلس التشريعي خلال 90 يوماً، على أن يُستعاض عنه بمجلس تشريعي مؤقت يتمثل في (اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء) لإجازة القوانين وسن التشريعات.

غير أنه مرّت 25 شهراً، عمر الفترة الانتقالية حتى الانقلاب، ولم يتم تشكيل المجلس التشريعي، في كل مرة كان التأجيل يُعزى لأسباب مختلفة، لكن السبب الرئيس الذي عطّل قيامه، هو مطالب الحركات المسلحة بتأجيل قيامه إلى حين توقيعها اتفاق سلام مع الحكومة الانتقالية.

بينما يتجادل المدنيون فيما بينهم، والمكون العسكري وقتها من جهة أخرى، حول نسب حصصهم في المجلس التشريعي الانتقالي، أتى اتفاق سلام جوبا الموقع في 3 أكتوبر 2020م، بأخبار غير سعيدة بالنسبة للوثيقة الدستورية، عندما تمت إضافة المادتين 79 و 80 وإنشاء مجلس شركاء الفترة الانتقالية، في مخالفة صريحة للدستور.

أيضاً التعديلات التي أجريت على الوثيقة الدستورية ونشرت في الجريدة الرسمية، كانت مخالفة لآلية تعديل الوثيقة الدستورية التي نصت؛ على أن أي تعديل يُجرى عليها، يجب أن يتم بموافقة أكثر من ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي.

كان خرق الدستور، بمثابة إعلان مبكر لعدم قيام المجلس التشريعي من ناحية، وبمثابة اتساع الفتق على الراتق، وبداية تداعي حاكمية الفترة الانتقالية المبنية على الوثيقة الدستورية.

يُعتقد بأن من أكبر عيوب الوثيقة الدستورية، تقنينها لوجود الدعم السريع من دون تأكيد على إنهاء استقلاليته عن القوات المسلحة.

وفي هذا السياق، مثلت العادة السودانية الراسخة في عدم احترام الدستور، أكبر ضربة للوثيقة الدستورية.

ومع ذلك، نجحت الوثيقة الدستورية في إعطاء سلطات واسعة لرئيس مجلس الوزراء، كما ساوت بين المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة الانتقالي، وكانت جيدة كفاية، لولا تنازل مسؤولو الحكومة الانتقالية عن سلطاتهم في أحيان كثيرة دون أن يكونوا مضطرين لفعل ذلك.

في الثالث من فبراير 2020م، وصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبدالفتاح البرهان، إلى مدينة عنتبي اليوغندية في زيارة سرية إلتقى خلالها برئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، بنيامين نتنياهو، وهو الأمر الذي فجّر الخلافات بين المكونين المدني والعسكري، حول إدارة العلاقات الخارجية، بسبب أن الوثيقة الدستورية نصت على أنها ضمن سلطات الحكومة المدنية.

جاء لقاء البرهان السري بنتنياهو، بعد نحو 6 أشهر من تشكيل السلطة الانتقالية، إلا أنه مثل أساساً جوهرياً لخروقات توالت على الوثيقة الدستورية.

من جانب آخر، لم تكن المشكلة في أوقات كثيرة في الوثيقة الدستورية نفسها، بل كانت المشكلة متعلقة بعدم تنفيذ بنودها وإنشاء المؤسسات التي نصت عليها.

ومع ذلك، ظلت الوثيقة الدستورية، تقوم بدور فاعل في تثبيت أركان الحكومة الانتقالية، في العام الثاني من عمر الفترة الانتقالية رغم تصاعد وتيرة الخلافات بين المدنيين والعسكريين، حول ملفات عديدة. وصلت الخلافات ذروتها في الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي، في أعقاب محاولة انقلاب عسكري بالعاصمة الخرطوم.

تبادل رئاسة مجلس السيادة الانتقالي بين المدنيين والعسكريين، مثّل الخيط الرفيع في الوثيقة الدستورية، الذي يفصل بين استكمال عملية التحول الديمقراطي أو وقوع انقلاب عسكري يقطع الطريق أمامها وهو ما حدث بالفعل في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

بعد انقلاب 25 أكتوبر، جمد البرهان عدداً من نصوص الوثيقة الدستورية على رأسها نص الشراكة مع قوى الحرية والتغيير.

بعد مرور نحو 10 أشهر على انقلاب 25 أكتوبر الماضي، تغيرت الكثير من الأمور، فرغم حملات القمع والتنكيل بالمتظاهرين السلميين والمعارضين لسلطة الأمر الواقع عامة، إلا أن النظام الحاكم فشل في شرعنة وجوده، في ظل تركيبته المتباينة الأهداف.

وسط ضغوط من واشنطن والرياض جلس المكون العسكري مع قوى الحرية والتغيير لمرتين، في يونيو الماضي، على أمل إيجاد حل سياسي. لكن، تلك الاجتماعات لم تُسفر عن جديد، فبينما عقدت قوى الحرية والتغيير ورشة لتقييم تجربتها في الحكم، أعلنت المؤسسة العسكرية خروجها من العملية التفاوضية والسياسية.

لكن واشنطن، عادت وجددت في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية بمطلوبات التحول الديمقراطي.

وقالت السفارة الأميركية بالخرطوم “نُشجع، في الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، كل الملتزمين بالتحول الديمقراطي للمضي في حوار شامل. وما ستكون عليه الحكومة القادمة، هو شأن يقرره السودانيون، وقد كانوا واضحين في ذلك: يجب أن تكون حكومة بقيادة مدنية وتوفر العادلة والرخاء والسلام.”

وعلى الرغم من تشجيع واشنطن للأطراف السودانية للحوار، تجسد تباعد الشقة بين طرفي الوثيقة الدستورية السابقيَن، في انخراط قوى الحرية والتغيير، في كتابة إعلان دستوري جديد، ورعاية البرهان من جانبه ما أطلق عليها (مبادرة نداء أهل السودان)، التي تبنت ضمن توصياتها، العودة لدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، فيما شدد الإعلان الدستوري الجديد لقوى الحرية والتغيير الذي أطلعت (بيم يبورتس) على مسودته على سيطرة الحكومة المدنية بشكل كامل على إدارة الأجهزة الأمنية، ومراجعة اتفاق سلام جوبا بموافقة أطرافه.

بين يومي 8-10 أغسطس الحالي، عقدت نقابة المحامين السودانيين، ورشة عمل حول الإطار الدستوري الانتقالي خرجت بثماني توصيات؛ تمثلت إجمالاً في: الإطار المفاهيمي للدستور الانتقالي، مهام الفترة الانتقالية ومدتها، مؤسسات السلطة الانتقالية ومن يشكلها، توصيات السلام، الحقوق والحريات العامة، العدالة والأجهزة العدلية، العلاقات المدنية العسكرية والإصلاح الأمني والعسكري والحوار الدستوري. 

بطبيعة الحال، لم تخرج ورشة الإطار الدستوري، أو الإعلان الدستوري لقوى الحرية والتغيير، عن المبادئ العامة للوثيقة الدستورية، لكن يكمن الفرق، في استصحابها للأخطاء السابقة المتعلقة بالعلاقة مع المكون العسكري، كما أنها تنفتح هذه المرة على قوى سياسية مختلفة المشرب، لكنها تتفق على ضرورة إنهاء الانقلاب العسكري وإبعاد الجيش من السياسة.

تمر اليوم الذكرى الثالثة لتوقيع الوثيقة الدستورية، وسط أوضاع سياسية غاية في التعقيد، أعقبت انقلاب 25 أكتوبر الماضي، وأحلام تبدو عصية التحقق في قيام سلطة مدنية ديمقراطية، على الأقل في الوقت المنظور.

ما الأسباب التي دفعت محتجي (العبيدية) لإيقاف شركات التعدين وتصعيد الإعتصام؟

هناك، تحت الخيام المنصوبة في منطقة العبيدية، بولاية نهر النيل، شمالي السودان، يجلس مئات المواطنين على السجادات الخضراء، ويناقشون قضايا اعتصامهم المناهض للتعدين، والذي بدأ في الأول من أغسطس وما يزال مستمراً. 

وتعيش المنطقة التي تعتبر واحدة من أكبر أسواق التعدين عن الذهب، في حالة تردي أمني وحوادث نهب وقتل صادمة تفشت في المنطقة بصورة لافتة منذ العام 2020م، حين قتل أحد أبناء المنطقة (همام أحمد خير الله) داخل متجره بسوق الطواحين وسرقت كل ممتلكاته. 

هزت تلك الحادثة سكان المنطقة الذين تجمهروا حينها، وضغطوا على السلطات عبر إغلاق سوق الطواحين، ليقبض على الجناة لاحقاً.

تراكمت الأوضاع الأمنية على مر السنوات وشهدت تطوراً كبيرا، في ظل غياب الحماية ومراكز الشرطة عن المنطقة، الأمر الذي دفع بالمواطنين للتصعيد في اتجاه الاعتصام القائم الآن، والتي تتمثل أبرز مطالبه في ضرورة توفير الحماية والأمن بالمنطقة، جنباً إلى جنب مع مطالب أخرى تتعلق بمحاربة الآثار البيئية للتعدين والمطالبة بتنفيذ مشاريع خدمية، والتي من ضمنها إعادة تأهيل المحطات والشبكات وإنشاء محطة تحويلية للكهرباء لسد حاجة المشاريع الزراعية والصناعية وتنفيذ واكمال الطريق الرابط بين بربر والعبيدية.

وفي خطوات تصعيدية تجاه القضية أغلق المعتصمون مكاتب الوحدة الإدارية بالإضافة لمقر الشركة السودانية للموارد المعدنية، كما اوقفت كل إجراءات تحصيل الرسوم في سوق التعدين، علاوة على إيقاف امداد المياه عن 9 من الشركات العاملة في مجال معالجة واستخلاص الذهب.

وأعلنت اللجنة المشتركة للاعتصام عن خطة تصعيدية تتضمن إغلاق كل المرافق الحكومية والأسواق وشركات التعدين.

ويوضح عضو لجان المقاومة العبيدية، الشيخ ابوشورة، في إفادته لـ (بيم ريبورتس):“المشاركة في الاعتصام واسعة ولا تنحصر على سكان العبيدية، حيث يأتي الناس من المناطق الأخرى في نهر النيل، كما وجدنا دعماً من الأجسام المهنية والمطلبية في كل الولايات”.

اعتصامات مستمرة ووعود منسية

الحراك المطلبي الحالي ليس هو الأول من نوعه الذي تشهده منطقة العبيدية ضد سياسات التعدين وممارساته، ففي يوليو من العام الماضي، نظم المواطنون اعتصاماً مطلبياً ضد الأضرار التي يتسبب فيها التنقيب عن الذهب، وكان عدد المطالب التي رفعها الاعتصام 25 مطلباً، وجاء أبرزها في ضرورة إيقاف التعدين داخل المناطق السكنية والزراعية، والمطالبة بإيقاف نشاط شركات التعدين التي تعمل في التنقيب في مخلفات التعدين التقليدي (الكرتة) واستخدامها مادة السيانيد التي تسبب أضرار للبيئة والإنسان.

رُفِعَ الاعتصام حينها بعد ثلاثة أيام عقب الاجتماع مع والية نهر النيل حينها، أمنة المكي، والتي قدمت وعوداً قاطعة بتنفيذ أغلب المطالب. كما قدم مدير الشرطة وعداً بإنشاء قسم شرطة بسوق الطواحين لتوفير الحماية والأمن والحد من انتشار الجريمة.

لكن بعد مرور أكثر من عام لم تتحقق أغلب الوعود، ليعود أهالي العبيدية للاعتصام مجدداً، وتكون واحدة من شعارات الاعتصام الرئيسية “الأمن مقابل التعدين”.

سوق اقتصادية مربحة وأضرار جسيمة

جاء انتشار التنقيب عن الذهب كنتيجة انقسام السودان إلى دولتين في يوليو من العام 2011م، والذي تسبب في صدمة اقتصادية بسبب خروج عائدات النفط من ميزانية الدولة، والتي كانت تشكل أكثر من نصف العائدات وما يزيد عن 95% من صادرات الدولة. علاوة على فقد السودان عائداته من خطوط الأنابيب بسبب إندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان.

فاقمت هذه الظروف من سوء الوضع الاقتصادي، وتسببت في ضائقة معيشية، وجد المواطنون أنفسهم على إثرها يبحثون عن سبل جديدة لكسب العيش. لينفتح باب التعدين عن الذهب في مناطق وولايات مختلفة في السودان. ويضم قطاع التعدين الأهلي حالياً أكثر من مليوني عامل، بمعدل إنتاج 80% من إجمالي الذهب المستخرج في البلاد. 

وتعد ولاية نهر النيل واحدة من أكبر المناطق التي يمارس فيها نشاط التعدين عن الذهب، حيث تتوفر على 4 من أسواق التعدين الشهيرة والتي من ضمنها سوق التعدين في منطقة العبيدية. 

وفي حين جلب التنقيب عن الذهب فوائد اقتصادية لكل من المعدنين والمجتمعات المستضيفة لعمليات التعدين، وساهم في زيادة إيرادات الدولة وصادرها من الذهب، إلا أنه جلب معه تأثيرات عميقة على البيئة وحياة الناس، فنجد أن هناك شكاوى مستمرة عن حالات التلوث البيئي نتيجة استخدام مواد ضارة بالبيئة والإنسان في عمليات التعدين، مسببة عدداً من المخاطر الصحية على المُعَدِّنين والمجتمعات المستضيفة لعمليات التعدين، حيث ظهر طيف واسع من الأمراض الجديدة وحالات إجهاض وسط النساء الحوامل.

جدل مستمر وتنصل عن المسؤولية

على الرغم من أن أضرار استخدام المواد الكيميائية (الزئبق والسيانيد) موثقة ومعروفة ضمن تقارير عديدة، ووفقاً لـمنظمة الصحة العالمية فإن استنشاق بخار الزئبق يمكن أن يسبب آثاراً ضارة على الجهازين العصبي و الهضمي، وجهاز المناعة. كما أن استخدام السيانيد للتنقيب ومعالجة الذهب يؤدي إلى تكون برك هائلة من نفايات السيانيد ، وهـي مصدر رئيسي لإطلاق السيانيد في المياه الجوفية. وهاتين المادتين هما المستخدمتين سواء في التعدين الأهلي أو من قبل المصانع والشركات. 

ويستخدم الزئبق في التعدين التقليدي، ويستخلص ما نسبته 30% من الذهب الموجود في الحجارة، لكن دائرة الإنتاج هذه لا تتوقف هنا، حيث تقوم شركات ومصانع التعدين باستخدام مخلفات التعدين (الكرتة)  واستخلاص الذهب المتبقي فيها عبر استخدام السيانيد.

لكن هناك تنصل من المسؤولية فيما يتعلق باستخدام المواد الكيميائية في التعدين. ففي حين تُحَصّل الشركة السودانية للموارد المعدنية رسوماً مختلفة من قطاع التعدين التقليدي، ويحتفي مديرها مبارك عبد الرحمن بمنطقة العبيدية، ويصفها بأنها تماثل سنغافورة من حيث إنتاج الذهب، إلا أنه في الوقت نفسه يتنصل عن المسؤولية فيما يتعلق باستخدام الزئبق في عمليات التعدين، ويقول بأنهم لا يجلبون الزئبق، وإنما يجلبه المعدنون. وهو ما يتعارض مع قانون تنمية الثروة المعدنية والتعدين (2015)، والذي ينص في جزء منه بأن السلطة/ الجهة الفاعلة هي التي يقع على عاتقها منح تراخيص التعدين ووضع السياسات العامة المرتبطة به وتقنين العمل. 

إن القضايا المرتبطة بالتعدين لا يمكن معالجتها دون وضع وتطبيق سياسات واستراتيجيات واضحة، والتي تضع صحة وسلامة المعدنين والمجتمعات المحلية المستضيفة لعمليات التعدين في هرم أولوياتها. والآن مع موسم الأمطار فإن ناقوس الخطر يزداد في ولاية نهر النيل مع وجود 450 ألف طن من مخلفات التعدين الملوثة بالزئبق ومعرضة للإنجراف لمصادر المياه ومجرى النيل، الأمر الذي سيخلف مضاراً على إنسان الولاية في الوقت الحاضر وفي المستقبل.

عندما تتحول الكلمات إلى رصاص.. كيف يساهم خطاب الكراهية في تأجيج النزاعات الأهلية بالسودان؟

بهذه الكلمات تحدث القائد العام للجيش السوداني ، ورأس الدولة بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أمام مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي.

حديث البرهان، يأتي في خضم أحداث عنف أهلي واجتماعي تشهده البلاد منذ عدة أشهر، يمثل الانحياز للجهة أو العرق، أحد أهم عوامل اندلاعه، فيما تُجسد أحداث العنف الأهلي بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، آخر تجلياته.

البرهان ليس، المسؤول الوحيد في سلطة الأمر الواقع الذي يدلي بأحاديث مرتبطة بخطاب الكراهية، فقد سبقه مسؤولون آخرون في إبداء إشارات وانحيازات جهوية ومناطقية، بينهم قائد ثاني الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، عندما تحدث بشكل جهوي عن العاصمة السودانية الخرطوم.

على الرغم من عدم وجود تعريف في القانون الدولي لمفهوم خطاب الكراهية، وما يثيره توصيف ما يمكن اعتباره بالكراهية من جدل وخلاف، يُشار إلى سياق خطاب الكراهية في مفهوم الأمم المتحدة على أنه أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية، بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية.

 وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق ما يستمد جذوره من اللون أو الأصل أو نوع الجنس أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية. وهذا الخطاب كثيراً ما يثيرّ مشاعر التعصب والكراهية التي يغذيها في الوقت نفسه، ويمكن في بعض السياقات أن ينطوي على  الإذلال ويؤدي إلى الانقسامات، وهذا ما ينطبق على حديث البرهان.

عندما تصبح كلمات القادة السياسيين والمجتمعيين مهداً لخطاب الكراهية، سرعان ما تدفع المجتمعات المحلية الثمن من دماء أبنائها، قبل أن يدعي المسؤولون مرةً أخرى أنهم يعملون على حل النزاعات الدموية التي أشعلوها هم أنفسهم.   

ومع تمكن ملايين السودانيين في السنوات الأخيرة من امتلاك هواتف ذكية متصلة بشبكة الانترنت، أصبحوا هدفاً لوسائل الإعلام الاحترافية الموجودة على شبكة الانترنت والمنظومات السياسية، بالإضافة للجهات الحكومية. فضلاً عن أنهم أصبحوا عُرضة لشبكات أجنبية ومحلية، درجت على تقديم محتوى زائف ومضلل، بالإضافة إلى وجود محتوى آخر يحض على الكراهية ويعمل على خلق المشكلات في أوساط المجتمعات المحلية.

اندلعت ثورة ديسمبر عام 2018م، في أوج صعود عدد مستخدمي الإنترنت في السودان، وهو الأمر الذي وضع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، في تحدي مواجهة الإعلام الجديد على وسائل التواصل الاجتماعي الذي كان ينشط في نقل أخبار الحراك الشعبي.

ولمواجهة ذلك الأمر، بدأ النظام البائد في إيقاف عدد من تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي على رأسها فيسبوك، وسرعان ما ابتدر استراتيجية جديدة، تمثلت في إطلاق حملات مضادة مناوئة للثورة ترتكز على المعلومات المضللة والزائفة. لكن كل ذلك، لم ينجح في إيقاف الحراك الشعبي، ليبدأ الدخول في مرحلة جديدة تمثلت في نشر خطاب الكراهية بين السودانيين.

تصاعد خطاب الكراهية في وسائل الإعلام الجديد بتدبير من سلطة النظام البائد، في محاولاتها تحجيم وتأطير الحراك الشعبي المناهض للحكومة بتصويره كحراك جهوي تارة، أو بتصويره كحراك علماني تارة أخرى.

في ظل فشل النظام البائد في السيطرة على التظاهرات، أفاق السودانيون في أحد أيام الثورة، على خبر اعتقال طلاب بجامعة سنار بحجة أنهم يتبعون لحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبدالواحد نور التي كانت تقاتل النظام البائد في إقليم دارفور، وأنهم ينوون القيام بعمليات إجرامية، وفقاً لما نشره التلفزيون الرسمي حينها.

لاحقاً، ورغم ادعاءات الحكومة وقتها، حول نية المعتقلين ارتكاب جرائم  جنائية، إلا أن ذلك الأمر تحول إلى خطاب كراهية ضد طلاب دارفور عامةً، وخصوصاً الأذرع الطلابية للحركات المسلحة بالجامعات السودانية، باعتبار أنهم عملاء لإسرائيل وجهات أجنبية، حيث ألقى تشويه سمعة أولئك الطلاب الذين قُتل أحدهم برصاص قوات الأمن في الخرطوم بحري، بظلال سلبية على وضع البلاد، حيث كان الغرض منه وضع الجميع في حالات استقطاب جهوي وعرقي لإفشال الحراك الشعبي.

وبينما درج المسؤولون الحكوميون سواء في فترة الحكومة الانتقالية، أو في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر، في الحديث عن أن خطاب الكراهية يُفاقم المشكلات في بلد خرج لتوه من حروب أهلية امتدت لنحو عقدين في نسختها الحديثة، إلا أنهم بالمقابل كانوا في حالات جزءاً من هذا الخطاب، سواء كان في شكل انحيازات جهوية أو إثنية.

بجانب أنهم لم يعملوا على تجاوز العقبة الرئيسية المتمثلة في طرح دولة قائمة على المواطنة، والتي تضمن الحقوق لكل السكان على أساس متساوٍ، في بلد يواجه بشكل مستمر شبح الانقسامات العرقية. 

وتُعد قضية الهوية والنزاع على ملكية الأرض والجهوية والمناطقية، أحد أبرز عوامل تأجيج خطاب الكراهية، والذي تُغذيه من ناحية أخرى عدم وجود سياسات من الدولة لمعالجته كجذر رئيس للصراع في البلاد. 

في أحداث عنف أهلي واجتماعي عديدة شهدتها البلاد منذ عام 2019م، مثل أحداث بورتسودان، كسلا الجنينة وغرب كردفان وإقليم النيل الأزرق أخيراً، مثّل خطاب الكراهية وقوداً لتلك النزاعات الدموية، سواء كان ذلك على منصات مواقع التواصل الاجتماعي أو في شكل خطابات سياسية للقادة المحليين أو السياسيين.

ومع ذلك، لم يكن من الهين تصور أن يكون القائد العام للقوات المسلحة، ورأس الدولة الحالي بحكم الأمر الواقع، عبد الفتاح البرهان، أحد صنّاع خطاب الكراهية في البلاد.

ومثّلت كلمات البرهان الذي كان يتحدث إلى مجموعة من السكان في مسقط رأسه بولاية نهر النيل شمالي البلاد، في يوليو الماضي، ذروة خطاب الكراهية، عندما تحدث على أساس جهوي بالكامل، رغم تعارض ذلك مع منصبه كقائد للجيش السوداني. أيضاً أدخلت كلماته الرأي العام في حالة من الاستقطاب الحاد وهو الأمر الذي يساهم في تأجيج خطاب الكراهية ومفاقمة النزاعات في البلاد.

لا تكف سلطة الأمر الواقع في السودان، عن الدعوة لإيقاف خطاب الكراهية، ومع ذلك، عندما يتحدث قادتها، فإنهم يثيرون الكراهية في أي اتجاه.

خلال مناسبة إطلاق سراح الزعيم الأهلي، موسى هلال، قبل عدة أشهر، أطلق قائد ثاني الدعم السريع، عبد الرحيم دقلو كلمات أثارت الرأي العام السوداني، عندما تحدث بشكل جهوي حاد في موضوع كان يتعلق بالعاصمة الخرطوم.

بينما تسيل دماء السودانيين من وقت لآخر وتبتعد الشقة بينهم بسبب خطاب الكراهية، لا يزال نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي من أنحاء البلاد المختلفة، يؤججون الصراع بتبنيهم لمزاعم ورؤى عنصرية لا تستند على أي أساس منطقي.

كما يتغذى خطاب الكراهية في البلاد باستغلال بعض الخطابات السياسية، حيث يُعد الحديث عن سكان أصليين وآخرين وافدين، من بين العوامل التي يتم استخدامها في تأجيج خطاب الكراهية، وهو من بين الأسباب الرئيسية التي تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف.

لا يقف خطاب الكراهية في البلاد والذي يزيد من حدة التوترات المجتمعية، عند عتبة السكان المدنيين، بل استشرى حتى في أوساط القوات العسكرية، في حالات عديدة كان سبباً في تفاقم أحداث العنف، بسبب الحياد أو الانحياز أو الانحياز المضاد.

ومنذ عقود يعاني السودان من حروب أهلية أفرزت صراعات متشابكة ليس أقلها تحول مشكلات عادية إلى اقتتال دامٍ، خاصة مع انتشار السلاح لدى المواطنين، وبطء استجابة قوات الأمن.

كشف وكيل أول وزارة الإعلام والثقافة السابق، رشيد سعيد، عن اعتزام الحكومة الانتقالية مخاطبة دولتي تركيا وتونس حول وجود بعض المواقع الالكترونية التي تُدار من أراضيها وتعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي بالبلاد، مشيرا إلى أنه سيتم اتخاذ إجراءات قانونية تجاه الشركات التي تنشر محتوى يثير الكراهية.

وقال سعيد، إن الحكومة ستتخذ خطوات قانونية بشأن الشركات التي تنشر هذا المحتوى الذي يثير الكراهية، مشيرا إلى أن بعض الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي ضارة وأحيانا لا يُعرف من يقف خلفها.

فيما أوضح مستشار رئيس الوزراء السابق للسلام جمعة كندة، في تصريحات سابقة، أن خطاب الكراهية والخطاب السياسي غير المنضبط هو أسلوب يتم توظيفه من خلال تضخيم الحقيقة أو إظهار الشائعة كحقيقة أو التشكيك فيها. 

وقال كندة، إن خطاب معظم القادة السياسيين تحريضي إقصائي، منوها إلى أن الهدف من هذا النوع من الخطابات ديني وسياسي واجتماعي وغيره. مضيفاً “أن ذلك النوع من الخطاب يؤدي الى العنف، لذلك لا بد من خصائص ومعايير متفق عليها”. 

“المشكلة ليست في تنامي خطاب الكراهية في الفترة الأخيرة، لكن توجد ثقافة التعايش معه، وبالتالي يوجد شبه إجماع بأن هذا الخطاب أصبح أكثر بروزاً بعد اتفاق جوبا وكان يجب أن يحدث العكس”، يقول كندة.

يضيف كندة “إن النزاعات العنيفة التي شهدها السودان لسنوات طويلة أدت الى تنميط المجموعات السياسية والاجتماعية وأعطت صورة سالبة للآخر تغذي خطاب الكراهية”.

 وتابع “من أسباب ظهور خطاب الكراهية هو الوعي غير المرشد، كما أن المناهج محملة بخطاب الكراهية وبالتالي وجود جيل مستعد لتبني هذا الخطاب. بالإضافة إلى الانفجار المعلوماتي، وتراجع الشعور بالانتماء الوطني وتزايد الاعتزاز بالقوميات المحلية والإقليمية”،  وقال “فشلنا في تقديم برنامج يجمع السودانيين حول الوطنية”.

في خضم صراع سياسي حول الديمقراطية والدولة المدنية من جهة، ومحاولة عسكرة الدولة والحياة السياسية واستعادة النظام البائد بوجوه جديدة منذ انقلاب 25 أكتوبر الماضي، ووجود اتفاق سلام هش، وغياب فصائل مسلحة رئيسية عن المشهد السياسي، صعد خطاب الكراهية إلى ذروته، حيث يتم استخدامه بكثافة لتحقيق مكاسب سياسية، الأمر الذي يزيد من مخاطر تفاقم النزاعات، في بلد ظل يرزح تحت حروب أهلية وانقسامات اجتماعية طيلة تاريخه الحديث.

ما بين الخامس والعشرين من أكتوبر والرابع من يوليو .. من يثق في”خطابات البرهان” ؟

في الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضيِ، أذاع قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بيانه الذي أعلن فيه انقلابه على شركائه في السلطة حينها من (تحالف قوى الحرية والتغيير)، وقوّض مسار التحول الديمقراطي في البلاد، وأعلن وقتها انه بصدد تشكيل حكومة كفاءات مستقلة، وبرلمان ثوري من الشباب، وهياكل للسلطة الانتقالية، وحدد لذلك موعداً هو نهاية نوفمبر 2021م.

وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر عاد البرهان مرة أخرى بخطاب جديد، اعتبره الكثيرون خطوة انقلابية جديدة، على شركائه الجدد من الموقعين على اتفاق سلام جوبا، والقوى التي ساندت انقلابه.

خطاب جديد وقرارات جديدة

في الرابع من يوليو 2022م، وفي خضم تصاعد الحراك الجماهيري الرافض للإنقلاب، والمستمر منذ الخامس والعشرين من أكتوبر العام الماضي، والمواكب الحاشدة في الثلاثين من يونيو التي أعقبتها اعتصامات متفرقة بعدد من المناطق بالخرطوم والولايات، عاد البرهان مرة أخرى بخطاب، ذكر فيه عدد من القرارات، من بينها:-

  • عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات الجارية حالياً والتي تسهلها الآلية الثلاثية.
  • سيتم حل مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع يتولى القيادة العليا للقوات النظامية ويكون مسئولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسئوليات تستكمل مهامه بالإتفاق مـــــــــع الحكومـــة التي سيتم تشكيلها من القوى السياسية والثورية والوطنية.

وأثار الخطاب نقاشات واسعة بين السودانيين، خاصة ما يتعلق بتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة من القوات المسلحة والدعم السريع، واعتبر البعض أن هذا الخطاب يعد انسحاباً للجيش من العملية السياسية، بينما اعتبره آخرون إعادة التفاف على مطالب الثورة التي تنادي بــ”عودة الجيش للثكنات وحل الدعم السريع”، او إعادة بناء جيش قومي موحد.

وفي هذا السياق، يقول الصحفي ووزير الإعلام في حكومة الفترة الانتقالية الاولى، فيصل محمد صالح، “هذا الخطاب لا يخرج الجيش من حلبة السياسة ولا يعيده للثكنات”، ويشرح فيصل قوله هذا بعدة أسباب، وهي أن: “خطاب البرهان قرر فيه سحب الجيش من عملية التفاوض والحوار الحالية، لكنه لم يعيده للثكنات، بل وضعه فوق الجميع، في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو إذن لا ينتظر الحوار الذي يحدد موقع المؤسسة العسكرية من مؤسسات الدولة وصلاحياتها ودورها، بل أخرج ذلك من العملية وقرر فيه لوحده. ثم إنه حدد منفردا صلاحيات المجلس الأعلى في الأمن والدفاع، بجانب مهام أخرى يتم الاتفاق فيها مع مجلس الوزراء، وقرر، منفردا، إن لا مكان للمجلس السيادي في هياكل الفترة الانتقالية، وبدأ بإعفاء الأعضاء المدنيين”.

ويضيف فيصل، “بحسب الورقة التي تحدد الموقف التفاوضي للمكون العسكري والتي سلمها من قبل الآلية الثلاثية، فقد طالب بأن تكون اختصاصات مجلس الأمن والدفاع، وهي الصيغة التي كانت مطروحة من قبل، وتحولت الآن للمجلس الأعلى للقوات المسلحة،. في مهام الأمن والدفاع، والسياسة الخارجية، والإشراف على البنك المركزي/ السياسة النقدية”. ويتساءل فيصل، “ماذا يتبقى من السياسة إذن ليمارسها مجلس الوزراء؟”.

ويتابع فيصل، “حدد خطاب البرهان، منفردا، مهام عملية التفاوض الحالية تحت إشراف الآلية الثلاثية في تشكيل مجلس الوزراء فقط، ولأن المكون العسكري لن يكون طرفا في الحوار فإن أي قضية أخرى تناقشها القوى المدنية وتتفق عليها، مثل الإطار الدستوري، هيكل مؤسسات الفترة الانتقالية ومدتها، اختصاصات الجهات والمؤسسات المختلفة، ستبقى غير ملزمة للمكون العسكري، بل تعرض عليه ليوافق أو يرفض أو يعدل، وهذه مرحلة ثانية من التفاوض تؤكد إن المؤسسة العسكرية باقية في المجال السياسي وهي، بحسب رؤية خطاب البرهان. من سيحكم على مخرجات الحوار، إن جرى، بالقبول أو الرفض”.

ويقول فيصل، “رهان البرهان هو أن القوى المدنية غير محددة الأطراف، والتي دعتها الآلية الثلاثية، هي شتات لا يمكن أن يتفق على شئ، وبالتالي يتوقع إن لا تتفق، ثم يأتي هو ليقول للسودانيين والعالم: لقد أعطيتهم الفرصة ولم يستطيعوا تشكيل حكومة وفشلوا، وبالتالي لا لوم عليَّ في أي خطوة أتخذها”.

محاسبة البرهان أولاً ...

أجمعت غالبية ردود لجان المقاومة على خطاب البرهان على إعلاء مبدأ المحاسبة والمحاكمة على الانتهاكات التي حدثت أثناء وبعد إنقلاب 25 أكتوبر، وطالبت لجان بتقديم البرهان للمحاسبة والمحاكمة، ثم إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية، ردت بعض قوى المقاومة ببيانات إعلامية، بينما آثرت قوى اخرى بالرد في شكل مواكب واعتصامات وتصعيد للحراك الرافض لتدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي.

وفي أول رد فعل سريع على خطابه، قالت تنسيقيات لجان مقاومة مدينة الخرطوم، في تصريح صحفي، “نقول لقائد الانقلاب عبد الفتاح البرهان والانقلابيين الذين من خلفه أن الطريق أمامكم واضح ليس لمجلس أمن ودفاع أو أي محاولة أخرى لإعادة التموضع في مستقبل الدولة السودانية وإنما نحو المشانق والمقاصل على الجرائم التي ارتكبتموها في حق هذا الشعب العظيم”.

وفي السياق نفسه، قالت لجان مقاومة الكدرو، في بيان رسمي، “ردنا على هذا البيان أن مكانكم المشانق ف لا تنازل عن مطالبنا و لا تنازل عن دماء شهداءنا الأبرار؛ و إننا ماضون نحو توحيد خطانا و قوى الثورة لإسقاط هذا الانقلاب”.

من جهتها قالت لجنة مقاومة الابيض والدهم، في بيان، “إن قول البرهان المزعوم بالخروج من العملية السياسية وتكوين مجلس للأمن والدفاع هو خطاب جاهل بمطالب الثورة والثوار في أن لا مكان لهؤلاء الجنرالات الذين اورثوا البلاد فقرا وجوعا وقتلا في ايّ هيكل من هياكل الفترة الانتقالية. ونؤكد بأن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى إعادة تأهيل حتى تقدم قادة صادقين مع شعبها يعملون على إصلاح ما أفسدوه هؤلاء”.

إنقلاب جديد ..

في تعليقه على خطاب البرهان، وصف الحزب الجمهوري، الأمر بأنه “انقلاباً عسكرياً جديداً”، “يحمل النكهات الإقليمية وقد تم تزيينه بعبارات شكلية لإرضاء المجتمع الدولي (إفساح المجال للقوى السياسية والثورية) مع ابقائه على سلطة العسكر من جيش ودعم سريع لتستمر في قيادتها الفعلية للدولة، وتكوين جهاز تنفيذي من فلول نظام الإخوان المسلمين البائد وأنصار إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر”.

وقال الحزب في بيان، “نرفض خطاب البرهان شكلاً ومضمونا.. حيث أنه لا يملك الشرعية من حيث الشكل، ليحدد شكل الدولة ويسمي مؤسساتها، متجاوزا جريمة الانقلاب التي قادها ودون أيّ إستعداد لتحمل نتائجها الكارثية، من قتل للأنفس البريئة وتسبيب للأذي الجسيم وترويع لأمن المواطنين وتدمير لثروات البلاد. أما من حيث المضمون، فيكفي انه قد تجاوز كل مطالب الثورة المتمثلة في خروج العسكر من السلطة وإقامة مؤسسات الدولة المدنية (سلطة الشعب)، من مجلس تشريعي يمثل قوى الثورة الحية والبدء في إصلاح مؤسسات الدولة الأمنية والعدلية لتكون تحت السلطة التنفيذية المدنية وليس تحت سلطة المجالس العسكرية من جيش ودعم سريع”.

مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي

من جانبه، قال تحالف قوى الحرية والتغيير، التحالف الحاكم السابق، أن “قرارات قائد السلطة الانقلابية هي مناورة مكشوفة وتراجع تكتيكي َيَقبل ظاهرياً بمبدأ عودة الجيش للثكنات مع إفراغ هذا المبدأ من محتواه، هذا التراجع التكتيكي جاء نتيجة للمقاومة الجماهيرية المتواصلة التي بلغت أشدها في الثلاثين من يونيو، ليثبت بأن قوى الثورة تتقدم يوماً بعد يوم وأن الانقلاب يتراجع ويتقهقر ويُهزم يومياً”.

وأورد التحالف، في بيان، أن “جوهر الأزمة الحالية هو انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وما تبعه من تدهور في كافة مناحي الحياة في البلاد حتى صارت محاصرة بشبح المجاعة وازدياد وتيرة الفقر والتوترات الأمنية وفشل الموسم الزراعي، عليه فإن محاولة السلطة الانقلابية لتصوير الأزمة كصراع بين المدنيين ما هي إلا ذَر للرماد في العيون، كما أن تعميم تعبير المدنيين يخلط بين قوى الثورة التي قاومت الانقلاب وتلك الأطراف المدنية التي دعمت الانقلاب أو كانت ضمن منظومة النظام البائد، إن التعريف الصحيح للأزمة يقود للحل الصحيح، لذا فإن الحل يبدأ بتنحي السلطة الانقلابية عن سدة السلطة ومن ثم تشكيل قوى الثورة لسلطة مدنية انتقالية كاملة وفق إعلان دستوري يحدد هياكل الانتقال وقضاياه بما فيها قضية دور المؤسسة العسكرية ومهامها، فالأمر ليس محض تشكيل حكومة تنفيذية، بل هو حزمة متكاملة تشمل قضايا الإصلاح الأمني والعسكري والجيش الواحد المهني القومي، والعدالة التي تكشف الجرائم وتحاسب مقترفيها، وقضايا الاقتصاد ومعاش الناس وتفكيك نظام 30 يونيو 1989م، وبناء واستكمال السلام، وتمهيد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه”.

من جهته، وصف الحزب الشيوعي السوداني ، خطاب البرهان بأنه “تأكيد لاستمرار انقلابي 11 أبريل و25 أكتوبر، حيث جعل من الانقلاب مرجعيته، تعطي المشروعية للفترة القادمة وبالتالي تتحكم فيها. من حيث استمرار القرارات والتشريعات التي أصدرها سابقاً”.

وأعلن الحزب الشيوعي عن رفضه لـ”التسوية السياسية المطروحة وإدانته لكل القوى المشاركة فيها”. وقال إن “الخروج من الأزمة الحالية يعتمد على استمرار امتلاك الجماهير للشوارع”، و “تسيير مواكبها الهادرة وتحويل اعتصاماتها إلى بؤر تقود وتدعم الجهود المبذولة لتوحيد القواسم المشتركة في المواثيق الثورية والوصول إلى وثيقة واحدة كبرنامج للثوار في طريق بناء المركز الموحد لقيادة وتنسيق الحراك الجماهيري الواسع لإسقاط الطغمة العسكرية وبناء السلطة المدنية الديمقراطية”.

فيما قال تحالف قوى الإجماع الوطني، إن خطاب البرهان يهدف إلى “وقف المد الثوري والتنصل عن الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب والوطن قبل وبعد انقلابه”.

وقال التحالف، في بيان، إن إعلان “قائد الانقلاب انسحابه من حوار الآلية الثلاثية” يعني أنه “يضع نفسه ضامناً لمخرجات الحوار”. وفيما يتعلق بتكوين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، اعتبر التحالف إن هذا الأمر “انقلاباً جديدا يؤكد تشبثه باقامة سلطة استبدادية مطلقة وذلك بوضع وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الأمن والمخابرات تحت سلطته المباشرة بعيداً عن سلطات الجهاز التنفيذي المدني”.

على صعيد ردود الأفعال الدولية، قال المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، تعليقاً على انسحاب الجيش من حوار الآلية الثلاثية، “يأمل الأمين العام في أن يخلق هذا فرصة للسودانيين للتوصل إلى اتفاق يؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال بقيادة مدنية نحو الديمقراطية في السودان.”

وتابع بالقول: “تشجع الآلية الثلاثية الحوار بين جميع أصحاب المصلحة للتوصل إلى اتفاق حول المضي قدما لاستعادة الانتقال الديمقراطية بقيادة مدنية.”

وشدد دوجاريك في بيانه على دعم الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، للدعوات بشأن إجراء تحقيق مستقل في حوادث العنف، بما في ذلك من خلال آليات العدالة الانتقالية المناسبة. وقال الناطق الرسمي إن “العنف المتواصل الذي نشهده ويتعرض له المتظاهرون المدنيون من قبل الحكومة يثير قلقا بالغا”.

وقد بلغ عدد القتلى على أيدي القوات الحكومية في سياق الاحتجاجات منذ انقلاب 25 أكتوبر، (113) إلى الآن. وبحسب لجان وفرق طبية، فإن معظم القتلى أصيبوا بالرصاص في الصدر أو الرأس أو الظهر. وتشير التقارير إلى أن قوات الأمن المشتركة استخدمت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه ضد المتظاهرين.

ردود الأفعال على خطابات البرهان، جاءت من جهات متباينة ومن خلفيات مختلفة، لكنها تكاد تتفق جميعها على أمور أساسية: العدالة والمحاسبة وإبعاد الجيش من العملية السياسية، والسيطرة المدنية على الأجهزة العسكرية والنظامية شأنها في ذلك شأن جميع أجهزة الدولة الأخرى، فلا يستقيم التحول الديمقراطي والمؤسسات العسكرية والأمنية تخلق لنفسها موضعاً فوق القانون والمحاسبة والمساءلة المدنية.